مع الشروق : خدعة «التهجير الطوعي»... بدل «التهجير القسري» !

مع الشروق : خدعة «التهجير الطوعي»... بدل «التهجير القسري» !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/09

واهم من يعتقد أن مشروع تهجير سكان قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة قد سقط صهيونيا. وكل الدلائل والوقائع والسياسات والتصريحات تؤكد أن المشروع لا يزال قائما.. وأن طبخه يجري على نار باردة حتى يجنّب الكيان الصهيوني وحليفه الأمريكي وزر الضجيج والصراخ والإدانات التي سوف يسببها اقتلاع شعب من أرضه وإلقاؤه في دول الشتات.
الصهاينة استفادوا من حرب الابادة الجماعية التي شنوها على غزة غداة عملية «طوفان الأقصى».. فقد شهدوا كيف انتفض العالم ضدّهم وكيف نزلت أمواج بشرية هادرة إلى الشوارع مندّدة ومدينة للمجازر الصهيونية.. وشهدوا كيف انقلب الرأي العام العالمي عليهم وكيف تغيّرت مواقف الكثير من الدول وكيف انطلقت ألسنة العديد من كبار المسؤولين هنا وهناك ممن كانوا محسوبين على الكيان مندّدة بهمجية القرن الواحد والعشرين.. وهي مواقف وصلت أعلى هرم السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية التي «انفجر» نائب الرئيس فيها بوجه سياسة الكيان محذرا إياهم بأنهم باتوا منبوذين من شعوب العالم وبأنهم باتوا معزولين بالكامل.. وهو موقف يترجم مزاجا عاما نشأ داخل الرأي العام الأمريكي وبات يشي بأن الغشاوة الصهيونية قد سقطت وبأن عصر ولاء أمريكا المطلق لإسرائيل إلى زوال.
قادة الكيان الصهيوني قرؤوا جيدا هذه التحولات ووصلوا إلى  استنتاج مفاده أن تنفيذ باقي المخطط بنفس الأساليب لن يكون مجديا بل وسيجلب الكثير من اللغط والضجيج والخسائر السياسية. من هنا جاء التوجه نحو ادخال تغيير يقضي بإبقاء الخطة النهائية بنفس الأهداف والغايات مع ادخال تغيير في  الشكل وفي التكتيكات المتبعة. وبما أن هدف تهجير سكان غزة أولا والضفة الغربية ثانيا هو هدف استراتيجي ثابت فلا ضرر في إدخال تغيير على سبل وأدوات تحقيقه.. وهنا تمخّض الفكر الصهيوني الماكر والخبيث عن فكرة «التهجير الطوعي» بدلا عن فكرة «التهجير القسري».
و«التهجير الطوعي» لا يقل في القاموس الصهيوني بشاعة عن «التهجير القسري».. لأنه يستبدل صخب الصواريخ والقنابل والمدرعات وبطش الآلة الحربية الصهيونية بأسلحة أخرى تبدو «ناعمة» لكنها لا تقل بطشا ويمكن أن تؤدي إلى تحقيق نفس النتائج.. هذه الأسلحة «الناعمة» تحوي تشكيلة من التضييقات وحتى الاغراءات التي تجعل استمرار الحياة في القطاع أمرا مستحيلا لتتحول «الهجرة الطوعية» إلى سبيل النجاة الوحيد أمام أكثر من مليوني مواطن فلسطيني. هذه التضييقات تمضي من الحصار الخانق إلى التجويع الممنهج إلى الحرمان من الدواء إلى منع اعادة اعمار ما هدّمه الاحتلال (وهو قد هدّم كل شيء) إلى قضم المزيد من الأراضي يوميا إلى ممارسة كل أصناف التضييق على متساكني القطاع بحيث تتقطع بهم كل سبل العيش ويصلون إلى قناعة مفادها أن الحياة لم تعد ممكنة داخل القطاع وأن الرحيل خارجه يبقى طوق النجاة الوحيد.
وهنا تتضح معالم الخطة الصهيونية الخبيثة.. وتبرز خطة «التهجير الطوعي» كخيار وحيد أمام مئات الاف البشر. ومعها تدخل الاغراءات المالية على الخط لتفتح لمواطن بائس، يائس، يقبل بهجرة وطنه طلبا لحياة آمنة افق «بحبوحة» مادية يمكن أن تقلب «حياته الجديدة» في بلد المهجر رأسا على عقب.. وبذلك تبدو هذه المسرحية الصهيونية مسرحية جيدة الاخراج من ناحية الشكل على الأقل.. لأن قرار الهجرة سوف يبدو للعالم وكأنه خيار شخصي وتلقائي لكل مواطن يقبل بالهجرة.. كما سوف يبدو للعالم بأن الجانب «القسري» الذي سوف يدين سلطات الاحتلال الصهيوني قد اختفى من الصورة.. لأن الأمر وقتها سوف يدخل في خانة ممارسة «الحرية الفردية» وأن معارضته أو الاعتراض عليه سوف يكون «أمرا مخزيا» كما صرّح بذلك سفير أمريكا لدى الكيان في سياق تفاعله مع مخطط «التهجير الطوعي الجديد».. وبذلك يتغيّر المشهد وتنقلب الصورة ويبدو الحليفان والشريكان في الجريمة إسرائيل وأمريكا في ثوب المساهم في حل مأساة انسانية.. ويضمنان في نفس الوقت افراغ القطاع من سكانه وتسليمه شاغرا إلى ترامب ليتولى انجاز مشروع «الريفييرا» الذي يحلم به.
هذا المشروع الذي يعمل الصهاينة والأمريكان على تنفيذه على نار باردة استدعى الكثير من ردود الفعل الرافضة والغاضبة فلسطينيا وعربيا ودوليا.. لكن هذه المواقف لا تكفي لردع حكومة الكيان ولاقناع إدارة ترامب بأن طريق «الهجرة الطوعية» هي طريق مسدودة شأنها شأن طريق «الهجرة القسرية» والمطلوب هو تحويل موجة الرفض والغضب إلى قرارات ملزمة تفضي إلى لجم هذا الكيان.. والمطلوب فلسطينيا أيضا هو الاستعداد للنزول إلى الميدان وتفجير انتفاضة جديدة.. فما الذي يمكن أن يخشى الشعب الفلسطيني من خسارته وهو يرى عدوه يمضي قدما في سياسات التهجير والتهويد ووضع اليد على كامل فلسطين التاريخية على درب انجاز «إسرائيل الكبرى» !
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك