مع الشروق :بين التهديد الصاخب والتسويات المعلّقة
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/23
في مشهد لم يخلُ من درامية محسوبة، أعلن دونالد ترامب، مساء أول أمس الثلاثاء تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى «أجل غير مسمى»، وذلك قبل ساعات قليلة فحسب من انتهاء مدة الهدنة، في خطوة أعلن قبلها أن التمديد مستبعد جدا، ثم تراجع بعد الظهر استجابة لوساطة باكستانية ملحّة، في تقلّب متسارع لا يُشبه قرارات القوة العظمى، بقدر ما يحيل إلى تخبّط في أزمة لا يعرف كيف يخرج منها بأخف الأضرار.
مصادر إعلامية أمريكية كشفت أن ترامب لا يزال حريصا على حل دبلوماسي للحرب، متخوفا من إحياء صراع يدّعي أن الولايات المتحدة انتصرت فيه بالفعل، وأن انهيار المفاوضات يُبرز الصعوبات التي لا يزال يواجهها في سعيه للتوصل إلى اتفاق يُلبي مطالبه العديدة، في جملة تلخص في عمقها حجم الأزمة لرجل يُصرّح بالانتصار، لكنه لا يُغادر الميدان.
منذ اندلاع الحرب في 28 فيفري الماضي، اعتمد ترامب أسلوبه المعهود في التفاوض القائم على التهديد الصاخب، والمهلة المحددة، ثم التراجع في اللحظة الأخيرة، لكن هذه المرة، المعادلة مختلفة، فقد ذكر ترامب في منشور على «تروث سوشيال» أن القيادة الإيرانية تعاني من انقسام داخلي حاد، مما استدعى تعليق الهجوم لمنح قادتها فرصة لتقديم تصور موحد، مؤكدا أن وقف إطلاق النار سيستمر حتى انتهاء المناقشات سواء سارت الأمور في الاتجاه الإيجابي أو غيره.
هذا التبرير يكشف عن مفارقة صارخة، فالرئيس الأمريكي يعلّق قراره العسكري على مزاج القيادة الإيرانية الداخلي، وهو ما يغيّب معنى الانتصار لقوة عظمى تنتظر إذنا ضمنيا من طهران لتحريك مفاوضيها.
في المقابل، طهران لا تُسهم في تسهيل الحلول، بل تُحسن توظيف تعقيدها، فقد وصف مهدي محمدي، مستشار رئيس البرلمان الإيراني، تمديد وقف إطلاق النار بأنه «لا معنى له»، مؤكدا أن «الطرف الخاسر لا يستطيع فرض شروطه»، فيما اتهم رئيس الوفد الإيراني قاليباف ترامب بمحاولة تحويل طاولة المفاوضات إلى طاولة استسلام، وقد رفض التلفزيون الرسمي الإيراني الاعتراف بالتمديد أصلا، وأكد عدم الالتزام به، وضمن هذا المنطق الجيوسياسي، فإن من يتجاهل قرار القوة الأعظم علنا ولا يتلقى ردا عسكريا فوريا، يُحرز نقاطا استراتيجية بصرف النظر عن موازين القوة الميدانية.
لا شكّ أنه ثمة درسٌ جيوسياسي كلاسيكي لا يمكن القفز عنه في مقاربة ما يحصل، فالحروب التي تبدأ بأهداف قاطعة ومحددة، تنتهي في الغالب بتسويات مُعلقة وملفات مفتوحة، فقد انتهت الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد دون اتفاق، وسط تمسك كل طرف بشروط يراها الآخر غير قابلة للتحقق، لا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز والملف النووي.
خمسة عشر بندا أمريكية في مواجهة عشرة بنود إيرانية، ولا تقاطع يُذكر، وقد أصرّت إيران علنا على أن يرفع ترامب الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز كشرط مسبق قبل أي جولة مفاوضات جديدة، بما يعني أن طهران تطلب من واشنطن التنازل قبل الجلوس إلى الطاولة، وواشنطن، بتمديدها الهدنة دون قيد أو ضمانة، تمنح إيران ما تطلبه من وقت دون أن تنال ما تريد من ضمانات.
الثابت أن المشكلة ليست في التمديد بحد ذاته، فقد تكون الدبلوماسية أحكم من الحرب، بل إن المشكلة في غياب الخيط الناظم، ووسط كل ذلك تبدو الهدنة المعلنة «لأجل غير مسمى» كاعتراف ضمني بأن الأهداف المُعلنة لم تتحقق، وأن الدبلوماسية لم تنضج، وأن الحرب لم تُحسم، وبين هذه الفراغات الثلاثة، تتشكّل المستنقعات.
هاشم بوعزيز
في مشهد لم يخلُ من درامية محسوبة، أعلن دونالد ترامب، مساء أول أمس الثلاثاء تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى «أجل غير مسمى»، وذلك قبل ساعات قليلة فحسب من انتهاء مدة الهدنة، في خطوة أعلن قبلها أن التمديد مستبعد جدا، ثم تراجع بعد الظهر استجابة لوساطة باكستانية ملحّة، في تقلّب متسارع لا يُشبه قرارات القوة العظمى، بقدر ما يحيل إلى تخبّط في أزمة لا يعرف كيف يخرج منها بأخف الأضرار.
مصادر إعلامية أمريكية كشفت أن ترامب لا يزال حريصا على حل دبلوماسي للحرب، متخوفا من إحياء صراع يدّعي أن الولايات المتحدة انتصرت فيه بالفعل، وأن انهيار المفاوضات يُبرز الصعوبات التي لا يزال يواجهها في سعيه للتوصل إلى اتفاق يُلبي مطالبه العديدة، في جملة تلخص في عمقها حجم الأزمة لرجل يُصرّح بالانتصار، لكنه لا يُغادر الميدان.
منذ اندلاع الحرب في 28 فيفري الماضي، اعتمد ترامب أسلوبه المعهود في التفاوض القائم على التهديد الصاخب، والمهلة المحددة، ثم التراجع في اللحظة الأخيرة، لكن هذه المرة، المعادلة مختلفة، فقد ذكر ترامب في منشور على «تروث سوشيال» أن القيادة الإيرانية تعاني من انقسام داخلي حاد، مما استدعى تعليق الهجوم لمنح قادتها فرصة لتقديم تصور موحد، مؤكدا أن وقف إطلاق النار سيستمر حتى انتهاء المناقشات سواء سارت الأمور في الاتجاه الإيجابي أو غيره.
هذا التبرير يكشف عن مفارقة صارخة، فالرئيس الأمريكي يعلّق قراره العسكري على مزاج القيادة الإيرانية الداخلي، وهو ما يغيّب معنى الانتصار لقوة عظمى تنتظر إذنا ضمنيا من طهران لتحريك مفاوضيها.
في المقابل، طهران لا تُسهم في تسهيل الحلول، بل تُحسن توظيف تعقيدها، فقد وصف مهدي محمدي، مستشار رئيس البرلمان الإيراني، تمديد وقف إطلاق النار بأنه «لا معنى له»، مؤكدا أن «الطرف الخاسر لا يستطيع فرض شروطه»، فيما اتهم رئيس الوفد الإيراني قاليباف ترامب بمحاولة تحويل طاولة المفاوضات إلى طاولة استسلام، وقد رفض التلفزيون الرسمي الإيراني الاعتراف بالتمديد أصلا، وأكد عدم الالتزام به، وضمن هذا المنطق الجيوسياسي، فإن من يتجاهل قرار القوة الأعظم علنا ولا يتلقى ردا عسكريا فوريا، يُحرز نقاطا استراتيجية بصرف النظر عن موازين القوة الميدانية.
لا شكّ أنه ثمة درسٌ جيوسياسي كلاسيكي لا يمكن القفز عنه في مقاربة ما يحصل، فالحروب التي تبدأ بأهداف قاطعة ومحددة، تنتهي في الغالب بتسويات مُعلقة وملفات مفتوحة، فقد انتهت الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد دون اتفاق، وسط تمسك كل طرف بشروط يراها الآخر غير قابلة للتحقق، لا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز والملف النووي.
خمسة عشر بندا أمريكية في مواجهة عشرة بنود إيرانية، ولا تقاطع يُذكر، وقد أصرّت إيران علنا على أن يرفع ترامب الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز كشرط مسبق قبل أي جولة مفاوضات جديدة، بما يعني أن طهران تطلب من واشنطن التنازل قبل الجلوس إلى الطاولة، وواشنطن، بتمديدها الهدنة دون قيد أو ضمانة، تمنح إيران ما تطلبه من وقت دون أن تنال ما تريد من ضمانات.
الثابت أن المشكلة ليست في التمديد بحد ذاته، فقد تكون الدبلوماسية أحكم من الحرب، بل إن المشكلة في غياب الخيط الناظم، ووسط كل ذلك تبدو الهدنة المعلنة «لأجل غير مسمى» كاعتراف ضمني بأن الأهداف المُعلنة لم تتحقق، وأن الدبلوماسية لم تنضج، وأن الحرب لم تُحسم، وبين هذه الفراغات الثلاثة، تتشكّل المستنقعات.
هاشم بوعزيز