مع الشروق : العراق يطوي صفحة الاحتلال.. لكن السيادة لـم تكتمل
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/03
بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي للعراق، يطوي العراقيون صفحة ثقيلة من تاريخ بلادهم مع اكتمال انسحاب القوات الأمريكية خلال هذه الايام ، في مشهد يحمل دلالات سياسية وشعبية عميقة، ويعيد إلى الواجهة سؤالا ظل مطروحا منذ سقوط بغداد سنة 2003 ، وهو هل أصبح العراق فعلا سيدا على ارضه وقراره وثرواته، ام ان الاحتلال العسكري غادر فيما بقي نفوذه حاضرا بأشكال أخرى.
ومن حق العراقيين اليوم ان يفرحوا بخروج القوات الأجنبية من بلادهم، وأن يروا في استعادة الملف الأمني إلى مؤسسات الدولة خطوة في طريق استعادة القرار الوطني. فالعراق الذي دخلته القوات الأمريكية تحت ذريعة امتلاك نظام الشهيد صدام حسين أسلحة دمار شامل، لم يعثر فيه الغزاة على تلك الأسلحة، لتسقط بذلك واحدة من أهم الحجج التي استخدمت لتبرير الحرب، فيما كانت النتيجة تدمير مؤسسات الدولة وإغراق البلاد في سنوات طويلة من العنف والاقتتال والفوضى.
ولم تتوقف تداعيات الغزو عند إسقاط النظام، فقد ساهم انهيار مؤسسات الدولة وتفكيك الجيش وفتح المجال أمام الصراعات الطائفية والسياسية في خلق بيئة شديدة الاضطراب استفادت منها الجماعات المتطرفة. ومن رحم الفوضى التي أعقبت الاحتلال برز تنظيم القاعدة الارهابي في العراق، ثم تطور لاحقا إلى تنظيم داعش الارهابي الذي تمكن من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا.
ولذلك تأتي فرحة العراقيين برحيل القوات الأمريكية محملة بذاكرة ثقيلة من الدم والدمار والتهجير، وبأمل في أن يستعيد العراق موقعه كدولة مستقلة القرار. غير أن الطريق إلى السيادة الكاملة لا يتوقف عند خروج الجنود، لأن السيادة تقاس أيضا بقدرة الدولة على حماية أجوائها وحدودها والتحكم في اقتصادها وثرواتها واتخاذ قراراتها بعيدا عن الضغوط الخارجية.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها، فالقوات الأمريكية تغادر العراق بينما تبقى للولايات المتحدة أدوات نفوذ واسعة في المشهد العراقي، من العلاقات السياسية والاقتصادية إلى الملفات المالية وخاصة النفطية، وهو ما يجعل الحديث عن نهاية النفوذ الأمريكي سابقا لأوانه. فالعراق يمتلك واحدا من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، وتبقى عائداته جزءا أساسيا من معادلة الاقتصاد العراقي، فيما ترتبط إدارة هذه الأموال وشبكة التعاملات المالية الدولية بعلاقات مع المؤسسات الأمريكية.
وإذا كان خروج القوات الأجنبية يمثل خطوة مهمة على طريق استعادة السيادة، فإن الاختبار الحقيقي للعراق يبدأ بعد الانسحاب ، فالدولة التي تريد أن تكون صاحبة قرارها تحتاج إلى امتلاك أدوات حماية سمائها وحدودها، وتعزيز مؤسساتها العسكرية والأمنية، وتحصين اقتصادها من الابتزاز، والتحكم في ثرواتها الوطنية، وفي مقدمتها النفط، حتى لا يتحول الانسحاب العسكري إلى إعادة إنتاج للنفوذ عبر وكلاء وأدوات اقتصادية وسياسية.
لقد غادر الأمريكيون العراق بعد سنوات طويلة من الحرب والوجود العسكري، وفرح العراقيون برؤية جنود أجانب يغادرون أرضهم، لكن السيادة الكاملة لا تتحقق بخروج الجندي وحده لأن السيادة تبدأ عندما يصبح القرار العراقي عراقيا، والثروة العراقية للعراقيين، والسماء العراقية تحت حماية الدولة، وعندما لا تستطيع أي قوة خارجية أن تفرض على بغداد ما تريده عبر المال أو النفط أو العقوبات أو النفوذ السياسي. عندها فقط يمكن القول إن العراق أغلق صفحة الاحتلال وفتح صفحة الاستقلال الحقيقي...
ناجح بن جدو
بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي للعراق، يطوي العراقيون صفحة ثقيلة من تاريخ بلادهم مع اكتمال انسحاب القوات الأمريكية خلال هذه الايام ، في مشهد يحمل دلالات سياسية وشعبية عميقة، ويعيد إلى الواجهة سؤالا ظل مطروحا منذ سقوط بغداد سنة 2003 ، وهو هل أصبح العراق فعلا سيدا على ارضه وقراره وثرواته، ام ان الاحتلال العسكري غادر فيما بقي نفوذه حاضرا بأشكال أخرى.
ومن حق العراقيين اليوم ان يفرحوا بخروج القوات الأجنبية من بلادهم، وأن يروا في استعادة الملف الأمني إلى مؤسسات الدولة خطوة في طريق استعادة القرار الوطني. فالعراق الذي دخلته القوات الأمريكية تحت ذريعة امتلاك نظام الشهيد صدام حسين أسلحة دمار شامل، لم يعثر فيه الغزاة على تلك الأسلحة، لتسقط بذلك واحدة من أهم الحجج التي استخدمت لتبرير الحرب، فيما كانت النتيجة تدمير مؤسسات الدولة وإغراق البلاد في سنوات طويلة من العنف والاقتتال والفوضى.
ولم تتوقف تداعيات الغزو عند إسقاط النظام، فقد ساهم انهيار مؤسسات الدولة وتفكيك الجيش وفتح المجال أمام الصراعات الطائفية والسياسية في خلق بيئة شديدة الاضطراب استفادت منها الجماعات المتطرفة. ومن رحم الفوضى التي أعقبت الاحتلال برز تنظيم القاعدة الارهابي في العراق، ثم تطور لاحقا إلى تنظيم داعش الارهابي الذي تمكن من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا.
ولذلك تأتي فرحة العراقيين برحيل القوات الأمريكية محملة بذاكرة ثقيلة من الدم والدمار والتهجير، وبأمل في أن يستعيد العراق موقعه كدولة مستقلة القرار. غير أن الطريق إلى السيادة الكاملة لا يتوقف عند خروج الجنود، لأن السيادة تقاس أيضا بقدرة الدولة على حماية أجوائها وحدودها والتحكم في اقتصادها وثرواتها واتخاذ قراراتها بعيدا عن الضغوط الخارجية.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها، فالقوات الأمريكية تغادر العراق بينما تبقى للولايات المتحدة أدوات نفوذ واسعة في المشهد العراقي، من العلاقات السياسية والاقتصادية إلى الملفات المالية وخاصة النفطية، وهو ما يجعل الحديث عن نهاية النفوذ الأمريكي سابقا لأوانه. فالعراق يمتلك واحدا من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، وتبقى عائداته جزءا أساسيا من معادلة الاقتصاد العراقي، فيما ترتبط إدارة هذه الأموال وشبكة التعاملات المالية الدولية بعلاقات مع المؤسسات الأمريكية.
وإذا كان خروج القوات الأجنبية يمثل خطوة مهمة على طريق استعادة السيادة، فإن الاختبار الحقيقي للعراق يبدأ بعد الانسحاب ، فالدولة التي تريد أن تكون صاحبة قرارها تحتاج إلى امتلاك أدوات حماية سمائها وحدودها، وتعزيز مؤسساتها العسكرية والأمنية، وتحصين اقتصادها من الابتزاز، والتحكم في ثرواتها الوطنية، وفي مقدمتها النفط، حتى لا يتحول الانسحاب العسكري إلى إعادة إنتاج للنفوذ عبر وكلاء وأدوات اقتصادية وسياسية.
لقد غادر الأمريكيون العراق بعد سنوات طويلة من الحرب والوجود العسكري، وفرح العراقيون برؤية جنود أجانب يغادرون أرضهم، لكن السيادة الكاملة لا تتحقق بخروج الجندي وحده لأن السيادة تبدأ عندما يصبح القرار العراقي عراقيا، والثروة العراقية للعراقيين، والسماء العراقية تحت حماية الدولة، وعندما لا تستطيع أي قوة خارجية أن تفرض على بغداد ما تريده عبر المال أو النفط أو العقوبات أو النفوذ السياسي. عندها فقط يمكن القول إن العراق أغلق صفحة الاحتلال وفتح صفحة الاستقلال الحقيقي...
ناجح بن جدو