مع الشروق : الذكاء الاصطناعي...مستقبل الاقتصاد

مع الشروق : الذكاء الاصطناعي...مستقبل الاقتصاد

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/16

ليست استضافة تونس للقمة الإفريقية للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني مجرد حدث دولي جديد يضاف إلى رزنامة المؤتمرات، بل هي رسالة قوية تؤكد أن البلاد تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون جزءا من الثورة التكنولوجية التي تعيد اليوم تشكيل الاقتصاد العالمي، ففي عالم أصبحت فيه البيانات والذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي من أهم مصادر الثروة والنمو، لم يعد الرهان الحقيقي يقتصر على امتلاك الموارد الطبيعية، وإنما على امتلاك العقول القادرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية.
إن اختيار تونس لاحتضان هذه القمة، التي تجمع مسؤولين حكوميين وخبراء وباحثين ورواد أعمال من مختلف الدول الإفريقية، يأتي في لحظة تشهد فيها القارة تحولا رقميا متسارعا، وتسعى خلالها الدول إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير الإدارة، ودعم النمو الاقتصادي، وهذا الحراك يفتح أمام تونس نافذة استراتيجية يمكن أن تتحول إلى مشروع اقتصادي وتنموي متكامل يجعل من البلاد مركزا إقليميا لإنتاج وتصدير الخدمات الرقمية القائمة على الذكاء الاصطناعي.
لقد أثبت الشباب التونسي، خلال السنوات الماضية، أنه يمتلك قدرات استثنائية في مجالات البرمجة وتطوير البرمجيات وتحليل البيانات وريادة الأعمال التكنولوجية، كما تنتشر اليوم كفاءات تونسية في كبريات شركات التكنولوجيا العالمية، فضلا عن نجاح شركات ناشئة تونسية في تطوير حلول مبتكرة وجذب استثمارات خارجية، وهو ما يؤكد أن رأس المال البشري يمثل الثروة الحقيقية التي يمكن أن تبني عليها تونس اقتصادها الجديد.
في المقابل، يشهد العالم طلبا متزايدا على الخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، سواء في تطوير التطبيقات الذكية، أو تحليل البيانات، أو الأمن السيبراني، أو أتمتة العمليات، أو المساعدات الرقمية، أو الحلول الموجهة للمؤسسات والإدارات، حيث تشير مختلف الدراسات الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي سيضيف خلال السنوات المقبلة آلاف المليارات من الدولارات إلى الاقتصاد العالمي، وستكون الدول التي تستثمر مبكرا في هذا القطاع هي الأكثر استفادة من هذه الطفرة.
وتونس تمتلك اليوم العديد من عناصر القوة التي تؤهلها لدخول هذا السباق بثقة، فهي تتمتّع بموقع جغرافي قريب من الأسواق الأوروبية والإفريقية، وتملك قاعدة جامعية تضم آلاف الطلبة في اختصاصات الهندسة والإعلامية والرياضيات، كما أن انتشار اللغات الأجنبية بين الشباب التونسي يمنحهم قدرة على العمل مع الأسواق العالمية وتقديم خدمات ذات قيمة مضافة عالية.
كما يمكن لبلادنا أن تستفيد من موقعها داخل الفضاء الإفريقي لتصبح منصة لتطوير الحلول الرقمية الموجهة للقارة، فالعديد من الدول الإفريقية تعيش مرحلة تحديث إداراتها العمومية وخدماتها الرقمية، وهي بحاجة إلى خبرات في مجالات الحكومة الإلكترونية، والهوية الرقمية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وهنا تبرز فرصة حقيقية أمام المؤسسات التونسية لتصدير المعرفة والخبرة بدل الاكتفاء بتصدير السلع التقليدية.
ولعل من أهم التحولات التي ينبغي العمل عليها هو الانتقال إلى اقتصاد المعرفة، حيث يصبح الابتكار والبرمجيات والخدمات الرقمية من أهم مصادر العملة الصعبة وخلق الثروة، فكل تطبيق ذكي يتم تطويره في تونس، وكل منصة رقمية يتم تصديرها إلى الخارج، وكل حل قائم على الذكاء الاصطناعي يجد طريقه إلى الأسواق الإفريقية أو الأوروبية، يمثل قيمة اقتصادية قد تفوق في مردودها صادرات العديد من القطاعات التقليدية.
ولا يقتصر الأمر على الشركات الخاصة، بل إن اعتماد الذكاء الاصطناعي داخل الإدارة التونسية يمكن أن يساهم في تحسين جودة الخدمات العمومية، وتسريع الإجراءات، وهو ما يعزز بدوره مناخ الاستثمار ويزيد من جاذبية البلاد للمستثمرين الدوليين.
لقد دخل العالم عصرا جديدا، أصبحت فيه المنافسة بين الدول تقوم على امتلاك المعرفة أكثر من امتلاك الموارد، وعلى تصدير التكنولوجيا أكثر من تصدير المواد الأولية، والاستثمار في كفاءاتنا الشابة وتوفير البيئة الداعمة للابتكار، سيجعلنا خارج دائرة المستهلكين لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بل مطورين ومصدّرين لها، ويمكّننا من فرض أنفسنا كقطب إقليمي وإفريقي في الصناعات الرقمية.
إن المستقبل الاقتصادي يصنع اليوم في الجامعات، ومخابر البحث، وحاضنات الأعمال، والشركات الناشئة، حيث يعمل شباب مبدع على تحويل الأفكار إلى حلول، والخوارزميات إلى منتجات، والابتكار إلى ثروة، وهذا هو الرهان الحقيقي القادر على أن يجعل تونس، في السنوات القادمة، إحدى العواصم الإفريقية الرائدة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
هاشم بوعزيز

تعليقات الفيسبوك