مع الشروق : البلطجة الأمريكية بلا أقنعة

مع الشروق : البلطجة الأمريكية بلا أقنعة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/06

في لحظة فارقة تكاد تختصر قرنًا كاملًا من السلوك الأمريكي في أمريكا اللاتينية، جاء الإعلان عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله بالقوة خارج بلاده ليكشف، دون مواربة، الوجه العاري للهيمنة حين تتحول من نفوذ ناعم إلى بلطجة صريحة، بلا أقنعة .
لم تحاول واشنطن هذه المرة الاختباء خلف شعارات الديمقراطية أو حقوق الإنسان كما كان الحال اغلب الأحيان، بل اختارت أن تقول للعالم: نحن نقرّر، ونحن ننفّذ، ونحن نحاسب، حتى لو كان «المتهم» رئيس دولة ذات سيادة، وهي بذلك وبوعي كامل داست على كل المؤسسات و المنظمات والقوانين الدولية التي وضعتها هي نفسها. 
وما حدث لا يمكن وصفه بعملية قانونية، ولا حتى بتدخل عسكري تقليدي، بل هو سابقة خطيرة تعني أن الولايات المتحدة منحت نفسها حق اختطاف رأس السلطة في دولة مستقلة، خارج أي تفويض أممي أو إجماع دولي، وبطريقة استعراضية مفادها «أنا البلطجي رقم واحد في العالم».
إنها لحظة كسر فجّ لكل الأعراف التي حكمت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وكأن ميثاق الأمم المتحدة لم يكن سوى حبر على ورق حين يتعلق الأمر بمصالح القوة العظمى، مما يعني أن مؤسسات كالامم المتحدة ومجلس الأمن وغيرهم ليسوا سوى «مزرعة امريكا» الخاصة.
الأخطر في هذه الخطوة ليس فقط الفعل ذاته، بل الرسالة الكامنة خلفه، فواشنطن لم تسقط النظام الفنزويلي بالكامل، ولم تدخل في حرب شاملة، بل اختارت استهداف الرئيس وحده. 
وهذا الاختيار ليس عفويًا، بل يعكس منطقًا باردًا: إسقاط الدولة مكلف وخطير، أما إزاحة الرأس فقد تفتح الباب لتفاوض أسهل مع من سيأتي بعده وإن كان لا يوجد هناك ضمانة لذلك، في دولة تربى وتشبّع شعبها على معاداة الامبريالية الأمريكية حتى الرمق الأخير. 
إنها ببساطة مقاربة «الجراحة السياسية الدقيقة»، حيث يُستأصل الشخص المزعج، وتُترك الجثة المؤسسية للدولة حيّة، بانتظار إعادة توجيهها حسب المصالح الأمريكية. 
وهذا يفتح الباب واسعًا أمام التساؤل عن وجود ترتيبات خفية، أو على الأقل حسابات دقيقة داخل المؤسسة العسكرية الفنزويلية، فعملية بهذا الحجم لا يمكن أن تتم في فراغ كامل، ولا دون معرفة دقيقة بتحركات الرئيس ومحيطه.
و حتى إن لم يكن هناك اتفاق صريح، فإن ما جرى يكشف هشاشة مفهوم السيادة حين تتقاطع الضغوط الخارجية مع تصدعات داخلية، مهما كانت محدودة.
أما الذريعة الأمريكية المعلنة، أي «محاربة المخدرات»، فهي تبدو في هذا السياق أقرب إلى ستار دخاني مكرر، و التاريخ القريب والبعيد يقول إن واشنطن لم تكن يومًا معنية فعلًا بتجفيف منابع المخدرات بقدر عنايتها بضمان أن تبقى الثروات والقرارات الاستراتيجية في متناول يدها. 
فنزويلا ليست مجرد دولة «متمردة»، بل خزّان طاقة هائل، ونقطة تقاطع لمصالح دولية كبرى، خصوصًا مع انفتاحها على الصين وروسيا، و هنا لا يصبح مادورو مجرد رئيس، بل عقدة يجب فكها.
ولا يمكن فهم ما جرى دون العودة إلى مبدأ «مونرو»، ذلك الإعلان القديم الذي لم يمت يومًا، بل تغيّرت أدواته فقط،حيث ان  أمريكا اللاتينية في المخيال السياسي الأمريكي، ما تزال «الحديقة الخلفية»، وأي محاولة للخروج عن الطاعة تُعدّ تمردًا يستوجب العقاب.
الجديد اليوم أن العقاب لم يعد يتم عبر الانقلابات السرية وحدها، بل عبر فعل علني، استعراضي، تُنشر صوره على الملأ لإعادة ترسيم حدود المسموح والممنوع.
إن اعتقال مادورو ليس مجرد حدث فنزويلي داخلي، بل اختبار عالمي لمعنى السيادة في زمن التعددية القطبية؛ و إذا كان بالإمكان اختطاف رئيس دولة بهذه الطريقة، فالسؤال لم يعد: من التالي؟ بل: ما الذي تبقى أصلًا من فكرة الدولة المستقلة؟ ومن القانون الدولي؟
ما جرى هو رسالة قاسية تقول إن من يتحدى المركز، عليه أن يكون مستعدًا لدفع الثمن، ليس بالضرورة عبر الحرب، بل عبر الإذلال السياسي العلني.
في النهاية، قد يختلف الناس حول مادورو، سياساته، أو شرعيته، لكن ما لا يجب أن يختلفوا حوله هو أن ما حدث يشكل سابقة خطيرة، لا تهدد فنزويلا وحدها، بل تفتح الباب أمام عالم تُدار فيه السياسة الدولية بمنطق القوة المجردة، حيث تختفي الحدود بين القانون والبلطجة، وتصبح الهيمنة اسمها الصريح: السيطرة.
بدرالدّين السياري

تعليقات الفيسبوك