مع الشروق : إنهم يحتكرون الماء ..وقريبا الهواء !

مع الشروق : إنهم يحتكرون الماء ..وقريبا الهواء !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/17

تونس التي تنتج نحو 3 مليارات لتر من المياه المعلبة سنويًا، وتضم 30 وحدة تعبئة موزعة على 13 ولاية، تجد نفسها اليوم عاجزة عن توفير قارورة ماء لمواطن يواجه ذروة الحر! .
مفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: الماء موجود، والمصانع موجودة، والإنتاج قائم، لكن القارورة تختفي ويرتفع سعرها حين تشتد الحاجة إليها.
أزمة المياه المعلبة التي نعيشها في هذه الفترة ليست مجرد نقص عابر أو ارتفاع موسمي في الاستهلاك، بل هي مرآة لخلل أعمق في منظومة إنتاج وتوزيع هشة، كشفت عيوبها أول موجات الحر. فالاستهلاك يرتفع في الصيف بنحو 43 بالمائة، وهو ما يستوجب الاستشراف، لكن في المقابل تتعطل عجلة الإنتاج بسبب انقطاعات الكهرباء المتكررة في مصانع تحقق أرباحا هامة، لكنها مازالت تعتمد على منظومة الطاقة التقليدية، وهي التي كان بإمكانها دعم تجهيزاتها بالألواح الكهروضوئية واستغلال الطاقة الشمسية لضمان استمرار الإنتاج في كل الظروف.
مشكلة أزمة الماء التي نعيش لا تقف عند الإنتاج، بل تمتد إلى التوزيع، حيث اختفت القوارير من الرفوف في الوقت الذي تضاعف فيه الطلب، وظهرت  في المقابل في مسالك موازية وأسواق سوداء، فتحول الماء، أبسط حاجات الإنسان، إلى سلعة يصعب الحصول عليها مع ارتفاع درجات حرارة الصيف.
المشكلة لا تقف هنا، بل تتعداها إلى تردي جودة مياه الحنفية العمومية وانقطاعها، فالإقبال القياسي على المياه المعلبة ليس رفاهية، بل هو سلوك اضطراري لمواطن يفتح الحنفية فلا يجد ماءً، أو يجد ماءً تغير طعمه ولونه ولم يعد صالحا للشرب في تقديره .
  أزمة مياه الشرب التي يمكن وصفها بالمرحلية تعكس في الواقع ثقافة إدارة اعتادت انتظار الأزمة بدل استباقها وإلا لماذا لم يتم الاستعداد لموسم الصيف قبل حلوله بتكوين مخزونات كافية مع وضع خطط واضحة لضمان استمرار الإنتاج والتوزيع في ذروة الطلب؟ . ثم لماذا لا تكون هناك آليات رقابة أكثر نجاعة تمنع احتكار القوارير وتلاعب الوسطاء بها عندما يشتد الطلب ويفتح باب السوق والسوداء واللهفة في ذات الآن ؟.
المشكلة ليست في "الينابيع" بل في السلسلة التي تنقل الماء من المصنع إلى المواطن، وفي الرقابة التي يفترض أن تحمي هذه السلسلة من عبث العابثين، والحل ليس في إنتاج المزيد من قوارير الماء  والتكثيف من رخص الاستغلال  فقط، بل في إعادة بناء المنظومة من جذورها، وتشديد الرقابة على مسالك التوزيع، وضمان استمرارية الإنتاج في فترات الذروة، إلى جانب إصلاح شبكات مياه الشرب العمومية واستعادة ثقافة «الماجل»  لتخزين مياه الأمطار، مع تشجيع المواطن على تركيب تجهيزات فلترة منزلية تتيح  تقليله اعتماده الكلي على القوارير المعلبة.
ويبقى السؤال : إذا كنا قادرين على إنتاج 3 مليارات لتر من الماء، فلماذا نشعر بالعطش صيفا ؟..  الجواب بسيط : المشكلة ليست في "الينابيع".. بل في الأنابيب التي "تسدّها " المصالح، والأيادي التي تحتكر وتضارب في كل شيء، حتى في الماء... وربما قريبا  في الهواء!
راشد شعور
 

تعليقات الفيسبوك