مع الشروق : أي «غبار» سيحصل عليه ترامب من إيران؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/12
يراهن الرئيس الامريكي دونالد ترامب مرة أخرى على فكرة «النصر السريع» في الصراع مع إيران، وكأن الجمهورية الإسلامية مجرد خصم يمكن إخضاعه بتغريدة غاضبة أو بضربة عسكرية محدودة أو حتى بجولة مفاوضات تنتهي بصورة تذكارية أمام الكاميرات.
لكن الواقع الذي يتكشّف منذ سنوات، وخصوصا خلال الأشهر الأخيرة، يقول إن واشنطن لم تحصل لا على «الغبار النووي» الذي قال ترامب أمس إن إيران أبلغته بوضوح أنها تعتزم أن تمنحه إياه، ولا على أي إنجاز استراتيجي حقيقي يمكن تقديمه للرأي العام الأمريكي باعتباره انتصارا حاسما.
المشكلة الأساسية أن ترامب يتعامل مع إيران بعقلية رجل الصفقات السريعة، بينما تتعامل طهران بعقلية دولة اعتادت الحصار والحروب الطويلة والاستنزاف السياسي، ففي مسار المفاوضات، تبدو إيران وكأنها تتقن لعبة الوقت إلى درجة مرهقة لخصومها.
فهي لا ترفض بشكل قاطع، ولا توافق بشكل كامل، بل تتحرك داخل منطقة رمادية واسعة: مقترحات، تعديلات، شروط متبادلة، قبول جزئي، رفض تكتيكي، ووعود بمراجعة التفاصيل لاحقا، وهكذا تجد واشنطن نفسها عالقة في دوامة تفاوضية طويلة، تتحرك فيها الاجتماعات والبيانات أكثر مما تتحرك النتائج.
هذه السياسة ليست ارتجالا إيرانيا، بل جزء من استراتيجية مدروسة تقوم على استنزاف الوقت الأمريكي، فكل يوم يمر دون حرب شاملة يمثل مكسبا لطهران، وكل جولة مفاوضات إضافية تمنحها فرصة لترتيب أوراقها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
وفي المقابل، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعجلا دائما لتحقيق اختراق سريع يمكن توظيفه انتخابيا وإعلاميا، وهو ما يمنح الإيرانيين أفضلية نفسية واضحة على طاولة التفاوض.
أما عسكريا، فقد سقطت أيضا فكرة «الضربة الخاطفة» القادرة على إخضاع إيران دون أثمان باهظة، و الحرب التي اندلعت في جوان الماضي ثم المواجهة التي بدأت في 28 فيفري كشفتا أن إيران ليست هدفا سهلا، وأنها تمتلك قدرة حقيقية على الرد المؤلم والممتد. فالهجمات التي طالت القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، أو استهداف منشآت الطاقة، أو القيام الفعلي بإغلاق مضيق هرمز، كلها رسائل تقول إن أي مواجهة مع طهران لن تبقى محصورة داخل حدودها.
لقد بنت إيران خلال السنوات الماضية عقيدة ردع تقوم على تشتيت ساحات المواجهة، فهي تدرك أن الولايات المتحدة تتفوق عسكريا بشكل ساحق في القوة التقليدية، ولذلك اختارت أدوات مختلفة: الصواريخ الباليستية، المسيّرات، الحرب غير المباشرة، والقدرة على تهديد المصالح الاقتصادية العالمية، ولهذا السبب فإن أي حرب ضدها تتحول بسرعة إلى أزمة طاقة دولية واضطراب اقتصادي يتجاوز الشرق الأوسط نفسه.
في المقابل، يبدو ترامب أقل استعدادا لتحمل حرب طويلة ومكلفة، فالاقتصاد الأمريكي رغم قوته، لا يحتمل بسهولة صدمات كبرى في أسعار النفط أو اضطرابات ممتدة في الأسواق العالمية، كما أن الرأي العام الأمريكي لم يعد متحمسا لحروب الشرق الأوسط المفتوحة.
لذلك يريد ترامب نصرا سريعا، إما اتفاقا يقدمه باعتباره «استسلاما إيرانيا»، أو عملية عسكرية خاطفة تنتهي خلال أيام، لكن المشكلة أن إيران تدرك هذه الحاجة الأمريكية للاستعجال، وتبني استراتيجيتها بالكامل على إفشالها.
ومن هنا يصبح الحديث عن «الغبار النووي» أقرب إلى صورة دعائية ضبابية أكثر منه توصيفا لواقع سياسي أو عسكري، فحتى الآن لم تحصل واشنطن على اتفاق نهائي، ولم تتمكن من فرض استسلام سياسي، كما أنها لم تستطع كسر قدرة إيران على الردع العسكري، بل إن المشهد الحالي يوحي بأن طهران نجحت في تحويل الصراع إلى معركة استنزاف طويلة، تعرف جيدا أن الزمن فيها ليس عدوا لها بل حليفا استراتيجيا.
وفي النهاية، قد يكتشف ترامب أن أكبر أوهامه لم يكن الاعتقاد بضعف إيران، بل الاعتقاد بإمكانية تحقيق نصر سريع ضد دولة أعدّت نفسها منذ عقود لاحتمال الحرب والسلام معا، فطهران تدخل المفاوضات وهي مستعدة لإطالتها، وتدخل الحرب وهي مستعدة لتحملها، بينما تدخل واشنطن الصراع وهي تبحث فقط عن مخرج سريع بأقل تكلفة ممكنة... وهو ما يعني أنها ستجني فقط غبار الفشل.
بدرالدّين السّيّاري
يراهن الرئيس الامريكي دونالد ترامب مرة أخرى على فكرة «النصر السريع» في الصراع مع إيران، وكأن الجمهورية الإسلامية مجرد خصم يمكن إخضاعه بتغريدة غاضبة أو بضربة عسكرية محدودة أو حتى بجولة مفاوضات تنتهي بصورة تذكارية أمام الكاميرات.
لكن الواقع الذي يتكشّف منذ سنوات، وخصوصا خلال الأشهر الأخيرة، يقول إن واشنطن لم تحصل لا على «الغبار النووي» الذي قال ترامب أمس إن إيران أبلغته بوضوح أنها تعتزم أن تمنحه إياه، ولا على أي إنجاز استراتيجي حقيقي يمكن تقديمه للرأي العام الأمريكي باعتباره انتصارا حاسما.
المشكلة الأساسية أن ترامب يتعامل مع إيران بعقلية رجل الصفقات السريعة، بينما تتعامل طهران بعقلية دولة اعتادت الحصار والحروب الطويلة والاستنزاف السياسي، ففي مسار المفاوضات، تبدو إيران وكأنها تتقن لعبة الوقت إلى درجة مرهقة لخصومها.
فهي لا ترفض بشكل قاطع، ولا توافق بشكل كامل، بل تتحرك داخل منطقة رمادية واسعة: مقترحات، تعديلات، شروط متبادلة، قبول جزئي، رفض تكتيكي، ووعود بمراجعة التفاصيل لاحقا، وهكذا تجد واشنطن نفسها عالقة في دوامة تفاوضية طويلة، تتحرك فيها الاجتماعات والبيانات أكثر مما تتحرك النتائج.
هذه السياسة ليست ارتجالا إيرانيا، بل جزء من استراتيجية مدروسة تقوم على استنزاف الوقت الأمريكي، فكل يوم يمر دون حرب شاملة يمثل مكسبا لطهران، وكل جولة مفاوضات إضافية تمنحها فرصة لترتيب أوراقها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
وفي المقابل، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعجلا دائما لتحقيق اختراق سريع يمكن توظيفه انتخابيا وإعلاميا، وهو ما يمنح الإيرانيين أفضلية نفسية واضحة على طاولة التفاوض.
أما عسكريا، فقد سقطت أيضا فكرة «الضربة الخاطفة» القادرة على إخضاع إيران دون أثمان باهظة، و الحرب التي اندلعت في جوان الماضي ثم المواجهة التي بدأت في 28 فيفري كشفتا أن إيران ليست هدفا سهلا، وأنها تمتلك قدرة حقيقية على الرد المؤلم والممتد. فالهجمات التي طالت القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، أو استهداف منشآت الطاقة، أو القيام الفعلي بإغلاق مضيق هرمز، كلها رسائل تقول إن أي مواجهة مع طهران لن تبقى محصورة داخل حدودها.
لقد بنت إيران خلال السنوات الماضية عقيدة ردع تقوم على تشتيت ساحات المواجهة، فهي تدرك أن الولايات المتحدة تتفوق عسكريا بشكل ساحق في القوة التقليدية، ولذلك اختارت أدوات مختلفة: الصواريخ الباليستية، المسيّرات، الحرب غير المباشرة، والقدرة على تهديد المصالح الاقتصادية العالمية، ولهذا السبب فإن أي حرب ضدها تتحول بسرعة إلى أزمة طاقة دولية واضطراب اقتصادي يتجاوز الشرق الأوسط نفسه.
في المقابل، يبدو ترامب أقل استعدادا لتحمل حرب طويلة ومكلفة، فالاقتصاد الأمريكي رغم قوته، لا يحتمل بسهولة صدمات كبرى في أسعار النفط أو اضطرابات ممتدة في الأسواق العالمية، كما أن الرأي العام الأمريكي لم يعد متحمسا لحروب الشرق الأوسط المفتوحة.
لذلك يريد ترامب نصرا سريعا، إما اتفاقا يقدمه باعتباره «استسلاما إيرانيا»، أو عملية عسكرية خاطفة تنتهي خلال أيام، لكن المشكلة أن إيران تدرك هذه الحاجة الأمريكية للاستعجال، وتبني استراتيجيتها بالكامل على إفشالها.
ومن هنا يصبح الحديث عن «الغبار النووي» أقرب إلى صورة دعائية ضبابية أكثر منه توصيفا لواقع سياسي أو عسكري، فحتى الآن لم تحصل واشنطن على اتفاق نهائي، ولم تتمكن من فرض استسلام سياسي، كما أنها لم تستطع كسر قدرة إيران على الردع العسكري، بل إن المشهد الحالي يوحي بأن طهران نجحت في تحويل الصراع إلى معركة استنزاف طويلة، تعرف جيدا أن الزمن فيها ليس عدوا لها بل حليفا استراتيجيا.
وفي النهاية، قد يكتشف ترامب أن أكبر أوهامه لم يكن الاعتقاد بضعف إيران، بل الاعتقاد بإمكانية تحقيق نصر سريع ضد دولة أعدّت نفسها منذ عقود لاحتمال الحرب والسلام معا، فطهران تدخل المفاوضات وهي مستعدة لإطالتها، وتدخل الحرب وهي مستعدة لتحملها، بينما تدخل واشنطن الصراع وهي تبحث فقط عن مخرج سريع بأقل تكلفة ممكنة... وهو ما يعني أنها ستجني فقط غبار الفشل.
بدرالدّين السّيّاري