مع الشروق : أمريكا و«الإرهاب الاقتصادي» ضدّ إيران
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/25
بعد أن أخفقت لغة القوة العسكرية في إخضاع إيران، تبدو واشنطن اليوم وهي تفتح جبهة جديدة أكثر قسوة واتساعا وهي الجبهة الاقتصادية، فالإدارة الأمريكية تستعد، وفق ما أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت، لشن ما تصفه بأضخم هجوم مالي على إيران، مستهدفة مصادر الإيرادات وشبكات التمويل والمنظومة المصرفية الموازية وعائدات النفط.
طهران لم تتردد في وصف هذه السياسة بأنها "إرهاب اقتصادي" و"جريمة ضد الإنسانية"، معتبرة أن العقوبات لا تستهدف الحكومة وحدها، بل تمس حياة ملايين الإيرانيين وقدرتهم على الوصول إلى الغذاء والدواء والعمل والخدمات الأساسية.
ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن انتقال واشنطن إلى الخنق الاقتصادي بعد تعثر الخيار العسكري ليس سوى اعتراف ضمني بأن القوة الصلبة لم تحقق أهدافها، وأن الحرب الاقتصادية الجديدة ستفشل مثل سابقاتها.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية لافتة، فالولايات المتحدة لم تستخدم القوة العسكرية وحدها في صراعاتها مع الدول التي ترفض الانصياع لسياساتها؛ فقد لجأت، على مدى عقود، إلى مزيج من الارهاب السياسي والعسكري والاقتصادي، مستخدمة العقوبات كأداة لإجبار الخصوم على تغيير سلوكهم أو تقديم تنازلات استراتيجية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو هل تستطيع واشنطن تكرار السيناريو نفسه مع إيران؟
المشكلة أن إيران ليست دولة تدخل هذه المواجهة الاقتصادية للمرة الأولى، فمنذ عقود، تعيش تحت منظومة واسعة من العقوبات الأمريكية، وطورت، بحكم الضرورة، آليات للتعامل معها والالتفاف على جزء من آثارها.
وقد دفعتها هذه التجربة إلى بناء علاقات تجارية ومالية مع دول لا تنخرط بالكامل في النظام الاقتصادي الذي تقوده واشنطن، فضلا عن تطوير قنوات بديلة للتجارة والطاقة والتمويل.
وهذا لا يعني أن إيران محصنة أمام العقوبات، على العكس، الاقتصاد الإيراني سيدفع ثمنا كبيرا إذا نجحت واشنطن في خنق عائدات النفط وتشديد القيود على شبكات التمويل والتجارة، وقد تتفاقم الضغوط على العملة والأسعار والاستثمار ومستوى المعيشة. لذلك فإن الرهان الإيراني الحقيقي لن يكون على عدم تأثر الاقتصاد، وإنما على القدرة على امتصاص الصدمة ومنعها من التحول إلى انهيار شامل، وبالتالي افشال الحرب الاقتصادية كما حدث في المواجهة العسكرية.
في المقابل، تراهن واشنطن على أن الألم الاقتصادي سيصبح أقوى من قدرة النظام على التحمل، وأن الضغوط ستدفع الإيرانيين إلى الضغط على قيادتهم، أو تدفع القيادة نفسها إلى تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية.
لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة كبيرة؛ لأن العقوبات الاقتصادية لا تنتج دائما النتيجة السياسية التي يريدها مطلقوها، وفي بعض الحالات قد تؤدي الضغوط الخارجية إلى تعزيز الشعور بالتهديد وتدفع المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة، بدلا من الانقلاب عليها.
لذلك، فإن "الحرب الاقتصادية" المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا للطرفين، حيث تريد واشنطن إثبات أن سلاح الدولار والعقوبات قادر على تحقيق ما لم تحققه الصواريخ والطائرات، بينما تريد طهران إثبات أن عقودا من الخبرة في مقاومة العقوبات جعلتها أكثر قدرة على الصمود.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال هو هل ستتضرّر إيران؟ فمن المؤكد أنها ستتضرر، لكن السؤال الأصعب هو هل سيكون الضرر أكبر على إيران أم على قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها السياسية؟
إذا استطاعت طهران امتصاص الضربة، والحفاظ على صادراتها وشبكاتها التجارية وعلاقاتها الاقتصادية الخارجية، فقد تتحول العقوبات من أداة لإجبارها على الاستسلام إلى معركة استنزاف طويلة، أما إذا نجحت واشنطن في إغلاق المنافذ التي بنتها إيران خلال سنوات العقوبات، فقد تصبح الأزمة الاقتصادية أكثر خطورة من كل ما سبقها.
وهكذا تبدأ اليوم معركة مختلفة، ليست حربا تُقاس بالأراضي التي تُحتل أو الصواريخ التي تُطلق، بل بالأموال التي تتحرك، والنفط الذي يُباع، والبنوك التي تُغلق، والأسواق التي تصمد، ومعركة كهذه قد تكون طويلة بقدر ما هي قاسية، وقد تثبت مرة أخرى أن إخضاع دولة بحجم إيران اقتصاديا ليس بالسهولة التي تبدو عليها الحسابات في واشنطن.
بدرالدّين السّيّاري
بعد أن أخفقت لغة القوة العسكرية في إخضاع إيران، تبدو واشنطن اليوم وهي تفتح جبهة جديدة أكثر قسوة واتساعا وهي الجبهة الاقتصادية، فالإدارة الأمريكية تستعد، وفق ما أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت، لشن ما تصفه بأضخم هجوم مالي على إيران، مستهدفة مصادر الإيرادات وشبكات التمويل والمنظومة المصرفية الموازية وعائدات النفط.
طهران لم تتردد في وصف هذه السياسة بأنها "إرهاب اقتصادي" و"جريمة ضد الإنسانية"، معتبرة أن العقوبات لا تستهدف الحكومة وحدها، بل تمس حياة ملايين الإيرانيين وقدرتهم على الوصول إلى الغذاء والدواء والعمل والخدمات الأساسية.
ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن انتقال واشنطن إلى الخنق الاقتصادي بعد تعثر الخيار العسكري ليس سوى اعتراف ضمني بأن القوة الصلبة لم تحقق أهدافها، وأن الحرب الاقتصادية الجديدة ستفشل مثل سابقاتها.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية لافتة، فالولايات المتحدة لم تستخدم القوة العسكرية وحدها في صراعاتها مع الدول التي ترفض الانصياع لسياساتها؛ فقد لجأت، على مدى عقود، إلى مزيج من الارهاب السياسي والعسكري والاقتصادي، مستخدمة العقوبات كأداة لإجبار الخصوم على تغيير سلوكهم أو تقديم تنازلات استراتيجية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو هل تستطيع واشنطن تكرار السيناريو نفسه مع إيران؟
المشكلة أن إيران ليست دولة تدخل هذه المواجهة الاقتصادية للمرة الأولى، فمنذ عقود، تعيش تحت منظومة واسعة من العقوبات الأمريكية، وطورت، بحكم الضرورة، آليات للتعامل معها والالتفاف على جزء من آثارها.
وقد دفعتها هذه التجربة إلى بناء علاقات تجارية ومالية مع دول لا تنخرط بالكامل في النظام الاقتصادي الذي تقوده واشنطن، فضلا عن تطوير قنوات بديلة للتجارة والطاقة والتمويل.
وهذا لا يعني أن إيران محصنة أمام العقوبات، على العكس، الاقتصاد الإيراني سيدفع ثمنا كبيرا إذا نجحت واشنطن في خنق عائدات النفط وتشديد القيود على شبكات التمويل والتجارة، وقد تتفاقم الضغوط على العملة والأسعار والاستثمار ومستوى المعيشة. لذلك فإن الرهان الإيراني الحقيقي لن يكون على عدم تأثر الاقتصاد، وإنما على القدرة على امتصاص الصدمة ومنعها من التحول إلى انهيار شامل، وبالتالي افشال الحرب الاقتصادية كما حدث في المواجهة العسكرية.
في المقابل، تراهن واشنطن على أن الألم الاقتصادي سيصبح أقوى من قدرة النظام على التحمل، وأن الضغوط ستدفع الإيرانيين إلى الضغط على قيادتهم، أو تدفع القيادة نفسها إلى تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية.
لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة كبيرة؛ لأن العقوبات الاقتصادية لا تنتج دائما النتيجة السياسية التي يريدها مطلقوها، وفي بعض الحالات قد تؤدي الضغوط الخارجية إلى تعزيز الشعور بالتهديد وتدفع المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة، بدلا من الانقلاب عليها.
لذلك، فإن "الحرب الاقتصادية" المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا للطرفين، حيث تريد واشنطن إثبات أن سلاح الدولار والعقوبات قادر على تحقيق ما لم تحققه الصواريخ والطائرات، بينما تريد طهران إثبات أن عقودا من الخبرة في مقاومة العقوبات جعلتها أكثر قدرة على الصمود.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال هو هل ستتضرّر إيران؟ فمن المؤكد أنها ستتضرر، لكن السؤال الأصعب هو هل سيكون الضرر أكبر على إيران أم على قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها السياسية؟
إذا استطاعت طهران امتصاص الضربة، والحفاظ على صادراتها وشبكاتها التجارية وعلاقاتها الاقتصادية الخارجية، فقد تتحول العقوبات من أداة لإجبارها على الاستسلام إلى معركة استنزاف طويلة، أما إذا نجحت واشنطن في إغلاق المنافذ التي بنتها إيران خلال سنوات العقوبات، فقد تصبح الأزمة الاقتصادية أكثر خطورة من كل ما سبقها.
وهكذا تبدأ اليوم معركة مختلفة، ليست حربا تُقاس بالأراضي التي تُحتل أو الصواريخ التي تُطلق، بل بالأموال التي تتحرك، والنفط الذي يُباع، والبنوك التي تُغلق، والأسواق التي تصمد، ومعركة كهذه قد تكون طويلة بقدر ما هي قاسية، وقد تثبت مرة أخرى أن إخضاع دولة بحجم إيران اقتصاديا ليس بالسهولة التي تبدو عليها الحسابات في واشنطن.
بدرالدّين السّيّاري