مع الشروق : أمريكا عالقة بين مضيقين
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/15
لم تكن واشنطن تتخيل، على الأرجح، أن تجد نفسها في سبتمبر 2026 أمام معادلة بهذا التعقيد، إيران تضغط على مضيق هرمز شرقا، والحوثيون في اليمن يضيّقون الخناق على باب المندب غربا.
وتحوّل المضيقان ،في فترة حساسة من التوتّر العالمي، وبينهما واحدة من أهم مناطق الطاقة والتجارة في العالم، إلى اختبار حقيقي للقدرة الأمريكية على حماية النظام البحري الذي بنت واشنطن جزءا كبيرا من نفوذها العالمي عليه. ففي هرمز، تواجه الولايات المتحدة إيران في معركة استنزاف مفتوحة حول واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية، وفي باب المندب وجدت واشنطن نفسها أمام واقع جديد بعد التقدم السريع للحوثيين وسيطرتهم على مواقع استراتيجية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر، الممر الذي كان يمكن أن يشكل بديلا عن هرمز أصبح هو الآخر مهددا، وهذه ليست أزمة عسكرية فقط، بل إنها تحوّلت إلى أزمة اقتصادية داخل الولايات المتحدة.
فحين تتعرّض طرق الطاقة والنقل العالمية للاختناق، لا تتوقف تداعيات الأزمة عند ناقلات النفط، بل تتجاوزها لترتفع كلفة الشحن، والنقل البري، والزراعة، والتصنيع، وتصل الموجة في النهاية إلى المستهلك الأمريكي.
ولعل الرقم الأكثر دلالة هو الديزل، فقد بلغ متوسط سعر الغالون في الولايات المتحدة 6.16 دولارات في 12 سبتمبر الجاري، مقارنة بنحو 3.70 دولارات قبل عام، في قفزة تقارب 66 % .
والديزل ليس مجرد وقود للشاحنات، بل إنه وقود الاقتصاد نفسه، فالشاحنة التي تنقل الغذاء، والجرار الذي يعمل في الحقول، والسفينة التي تحمل البضائع، والآليات التي تشغل قطاعات واسعة من الاقتصاد كلها تتأثر.
لذلك فإن استمرار أزمة الطاقة قد يحول ارتفاع الوقود من مشكلة في محطات التعبئة إلى صدمة في أسعار الغذاء والسلع والخدمات وتكلفة المعيشة، لكن الأخطر بالنسبة لترامب أن الأزمة تأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية.
فمتوسّط استطلاعات شبكة "سي إن إن" الأمريكية وضع تأييده عند 35 % مقابل 63 % لا يؤيدون أداءه، قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، وهنا تتحول الحرب من ملف خارجي إلى سؤال انتخابي داخلي، لماذا ترتفع الأسعار؟ ولماذا تخوض الولايات المتحدة حرباً في الشرق الأوسط؟ وهل تملك واشنطن فعلاً القدرة على حماية مصالحها وحلفائها؟ أما الأزمة الأمنية، فهي ربما الأكثر إحراجا، فالسعودية، الحليف الأمريكي الرئيسي في الخليج، طلبت من ترامب التدخل ضد الحوثيين، وفق تقارير نقلت أن ولي العهد محمد بن سلمان اتصل بالرئيس الأمريكي مرتين في يوم واحد، لكن ترامب رفض التدخل العسكري المباشر، بينما عرضت واشنطن الاستخبارات والدعم في مجال الاستهداف.
وهنا تظهر الرسالة التي قد تكون أخطر من المعركة نفسها، إذا كانت الولايات المتحدة غير مستعدة لفتح جبهة جديدة لحماية باب المندب، وهي في الوقت ذاته منشغلة بصراع هرمز، فماذا يستطيع الحلفاء الخليجيون أن يتوقعوا منها في اللحظة الحرجة؟
قد يرى ترامب أن عدم التدخل هو الطريق لتجنب حرب إقليمية أوسع، وربما يكون حسابه العسكري مفهوم، إذ لا يمكن لواشنطن أن تخوض معركة في كل اتجاه في الوقت نفسه، لكن المشكلة أن الردع لا يقاس فقط بعدد حاملات الطائرات والصواريخ، بل أيضا بمدى ثقة الحلفاء بأن الولايات المتحدة ستتحرك عندما تتعرض مصالحهم للخطر.
وهكذا تجد أمريكا نفسها أمام معادلة شديدة القسوة، هرمز يضغط على الطاقة، وباب المندب يضغط على التجارة، وارتفاع الأسعار يضغط على المواطن، والانتخابات تضغط على ترامب، والحلفاء يختبرون حدود الالتزام الأمريكي.
وبالتالي لم تعد المسألة إذن مجرد معركة للسيطرة على مضيقين، بل إنها معركة على هيبة القوة الأمريكية نفسها، والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط من يسيطر على هرمز وباب المندب؟ بل هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحافظ على النظام الذي بنته لعقود، بينما تتآكل قدرتها على التحكم في أهم مفاتيح العالم البحرية؟
بدرالدّين السّيّاري
لم تكن واشنطن تتخيل، على الأرجح، أن تجد نفسها في سبتمبر 2026 أمام معادلة بهذا التعقيد، إيران تضغط على مضيق هرمز شرقا، والحوثيون في اليمن يضيّقون الخناق على باب المندب غربا.
وتحوّل المضيقان ،في فترة حساسة من التوتّر العالمي، وبينهما واحدة من أهم مناطق الطاقة والتجارة في العالم، إلى اختبار حقيقي للقدرة الأمريكية على حماية النظام البحري الذي بنت واشنطن جزءا كبيرا من نفوذها العالمي عليه. ففي هرمز، تواجه الولايات المتحدة إيران في معركة استنزاف مفتوحة حول واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية، وفي باب المندب وجدت واشنطن نفسها أمام واقع جديد بعد التقدم السريع للحوثيين وسيطرتهم على مواقع استراتيجية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر، الممر الذي كان يمكن أن يشكل بديلا عن هرمز أصبح هو الآخر مهددا، وهذه ليست أزمة عسكرية فقط، بل إنها تحوّلت إلى أزمة اقتصادية داخل الولايات المتحدة.
فحين تتعرّض طرق الطاقة والنقل العالمية للاختناق، لا تتوقف تداعيات الأزمة عند ناقلات النفط، بل تتجاوزها لترتفع كلفة الشحن، والنقل البري، والزراعة، والتصنيع، وتصل الموجة في النهاية إلى المستهلك الأمريكي.
ولعل الرقم الأكثر دلالة هو الديزل، فقد بلغ متوسط سعر الغالون في الولايات المتحدة 6.16 دولارات في 12 سبتمبر الجاري، مقارنة بنحو 3.70 دولارات قبل عام، في قفزة تقارب 66 % .
والديزل ليس مجرد وقود للشاحنات، بل إنه وقود الاقتصاد نفسه، فالشاحنة التي تنقل الغذاء، والجرار الذي يعمل في الحقول، والسفينة التي تحمل البضائع، والآليات التي تشغل قطاعات واسعة من الاقتصاد كلها تتأثر.
لذلك فإن استمرار أزمة الطاقة قد يحول ارتفاع الوقود من مشكلة في محطات التعبئة إلى صدمة في أسعار الغذاء والسلع والخدمات وتكلفة المعيشة، لكن الأخطر بالنسبة لترامب أن الأزمة تأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية.
فمتوسّط استطلاعات شبكة "سي إن إن" الأمريكية وضع تأييده عند 35 % مقابل 63 % لا يؤيدون أداءه، قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، وهنا تتحول الحرب من ملف خارجي إلى سؤال انتخابي داخلي، لماذا ترتفع الأسعار؟ ولماذا تخوض الولايات المتحدة حرباً في الشرق الأوسط؟ وهل تملك واشنطن فعلاً القدرة على حماية مصالحها وحلفائها؟ أما الأزمة الأمنية، فهي ربما الأكثر إحراجا، فالسعودية، الحليف الأمريكي الرئيسي في الخليج، طلبت من ترامب التدخل ضد الحوثيين، وفق تقارير نقلت أن ولي العهد محمد بن سلمان اتصل بالرئيس الأمريكي مرتين في يوم واحد، لكن ترامب رفض التدخل العسكري المباشر، بينما عرضت واشنطن الاستخبارات والدعم في مجال الاستهداف.
وهنا تظهر الرسالة التي قد تكون أخطر من المعركة نفسها، إذا كانت الولايات المتحدة غير مستعدة لفتح جبهة جديدة لحماية باب المندب، وهي في الوقت ذاته منشغلة بصراع هرمز، فماذا يستطيع الحلفاء الخليجيون أن يتوقعوا منها في اللحظة الحرجة؟
قد يرى ترامب أن عدم التدخل هو الطريق لتجنب حرب إقليمية أوسع، وربما يكون حسابه العسكري مفهوم، إذ لا يمكن لواشنطن أن تخوض معركة في كل اتجاه في الوقت نفسه، لكن المشكلة أن الردع لا يقاس فقط بعدد حاملات الطائرات والصواريخ، بل أيضا بمدى ثقة الحلفاء بأن الولايات المتحدة ستتحرك عندما تتعرض مصالحهم للخطر.
وهكذا تجد أمريكا نفسها أمام معادلة شديدة القسوة، هرمز يضغط على الطاقة، وباب المندب يضغط على التجارة، وارتفاع الأسعار يضغط على المواطن، والانتخابات تضغط على ترامب، والحلفاء يختبرون حدود الالتزام الأمريكي.
وبالتالي لم تعد المسألة إذن مجرد معركة للسيطرة على مضيقين، بل إنها معركة على هيبة القوة الأمريكية نفسها، والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط من يسيطر على هرمز وباب المندب؟ بل هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحافظ على النظام الذي بنته لعقود، بينما تتآكل قدرتها على التحكم في أهم مفاتيح العالم البحرية؟
بدرالدّين السّيّاري