مع الشروق : من ساحات الحرب إلى صناديق الاقتراع
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/11/05
لم تبقَ تداعيات الحروب التي شهدها الشرق الأوسط حبيسة ساحات القتال، ولا ظلت كلفتها محصورة في الخسائر البشرية والاقتصادية والدمار الذي خلفته، فقد وصلت ارتداداتها إلى صناديق الاقتراع، حاملة رسائل سياسية ثقيلة إلى اثنين من أبرز الوجوه اللذين ارتبط اسماهما بالتصعيد العسكري في المنطقة، بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب.
في الكيان الصهيوني، انتهت الانتخابات التشريعية بخسارة معسكر رئيس وزراء الحكومة الفاشية أغلبيته البرلمانية، فيما منح الناخب الأمريكي الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، وبين النتيجتين مسافة سياسية وجغرافية، لكنهما تلتقيان عند سؤال جوهري مفاده مدى تحوّل كلفة الحروب إلى عبء انتخابي على قادتها.
لم تكن نتائج انتخابات 27 أكتوبر مجرد تغيير في توزيع المقاعد في الكيان الغاصب، بل عكست تصدّعا في قدرة مجرم الحرب نتنياهو على إدارة المشهد السياسي، فقد حصل معسكره على 53 مقعدا من أصل 120، مقابل 48 مقعدا للكتلة المعارضة، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعدا، في نتيجة تاريخية من حيث حجم تمثيلها، وبذلك فقد الائتلاف الحاكم أغلبيته السابقة، وجعلته يدخل في مأزق سياسي قد ينهي حضوره في المشهد السياسي الصهيوني.
لقد خاض نتنياهو الانتخابات في ظل حصيلة إقليمية ثقيلة عنوانها حرب غزة وما خلفته من دمار ومعاناة إنسانية وعزلة دولية متزايدة لإسرائيل، ثم المواجهة مع إيران وما رافقها من رهانات على تغيير موازين القوة في المنطقة فشلت بالكامل، كما واجه انتقادات داخلية تتعلق بإخفاقات السابع من أكتوبر 2023، والمسؤولية السياسية عن تلك الإخفاقات، وإدارة الحرب، والانقسامات بشأن الخدمة العسكرية والإعفاءات الدينية، لذلك لا يمكن اختزال تراجع معسكره في عامل واحد، لكن المؤكد أن النتيجة كانت حصيلة كلفة سنوات التصعيد وما فرضته من أثمان أمنية واقتصادية وسياسية.
أما في الولايات المتحدة، فقد حملت انتخابات الثالث من نوفمبر ضربة انتخابية واضحة لترامب وحزبه، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، حيث تكتسب النتيجة أهميتها من كونها جاءت في منتصف الولاية الرئاسية، أي في محطة تقليدية لقياس ثقة الناخبين في أداء الإدارة، وقد حضرت الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار ومخاوف الفساد والحرب مع إيران ضمن أبرز العوامل التي أثّرت في خيارات الناخبين، وبذلك لم تعد تداعيات السياسة الخارجية منفصلة عن الحسابات الداخلية الأمريكية، بل أصبحت جزءًا من تقييم الناخب لأداء رئيسه.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن خسارة الأغلبية في الكونغرس لا تسقط الرئيس دستوريا، لكنها تقيّد هامش حركته، فالديمقراطيون سيكونون قادرين على تعطيل مشاريع تشريعية، وممارسة رقابة أشد على الإدارة، وفتح تحقيقات بشأن قراراتها، وهذا يعني أن ترامب سيجد نفسه أمام مؤسسات أكثر قدرة على مساءلته، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والخارجية، وتتراجع فيه قدرة البيت الأبيض على تمرير أجندته دون مساومات.
لكن الرسالة الأعمق تتجاوز مصير نتنياهو وترامب فحسب ، فغزة، بما كشفته الحرب من مأساة إنسانية وأزمة في مصداقية الخطاب الغربي حول القانون الدولي وحقوق الإنسان، تحوّلت إلى قضية حاضرة في النقاش السياسي العالمي، وإيران، بما مثلته المواجهة معها من مخاطر على أمن المنطقة وأسواق الطاقة والاستقرار الدولي، كشفت بدورها أن الرهان على القوة العسكرية لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.
من الثابت اليوم، أن صناديق الاقتراع قد وجهت إشارتين واضحتين إلى أن القوة العسكرية لا تمنح حصانة سياسية، وأن الناخبين قادرون على تحميل قادتهم كلفة قراراتهم، وبين غزة وإيران، تبدو المنطقة أمام حقيقة بيّنة، هي أن الحروب التي تبدأ بقرارات سياسية قد تنتهي بتغيير الحسابات الانتخابية، وبإعادة رسم موازين الحكم والنفوذ.
هاشم بوعزيز
لم تبقَ تداعيات الحروب التي شهدها الشرق الأوسط حبيسة ساحات القتال، ولا ظلت كلفتها محصورة في الخسائر البشرية والاقتصادية والدمار الذي خلفته، فقد وصلت ارتداداتها إلى صناديق الاقتراع، حاملة رسائل سياسية ثقيلة إلى اثنين من أبرز الوجوه اللذين ارتبط اسماهما بالتصعيد العسكري في المنطقة، بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب.
في الكيان الصهيوني، انتهت الانتخابات التشريعية بخسارة معسكر رئيس وزراء الحكومة الفاشية أغلبيته البرلمانية، فيما منح الناخب الأمريكي الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، وبين النتيجتين مسافة سياسية وجغرافية، لكنهما تلتقيان عند سؤال جوهري مفاده مدى تحوّل كلفة الحروب إلى عبء انتخابي على قادتها.
لم تكن نتائج انتخابات 27 أكتوبر مجرد تغيير في توزيع المقاعد في الكيان الغاصب، بل عكست تصدّعا في قدرة مجرم الحرب نتنياهو على إدارة المشهد السياسي، فقد حصل معسكره على 53 مقعدا من أصل 120، مقابل 48 مقعدا للكتلة المعارضة، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعدا، في نتيجة تاريخية من حيث حجم تمثيلها، وبذلك فقد الائتلاف الحاكم أغلبيته السابقة، وجعلته يدخل في مأزق سياسي قد ينهي حضوره في المشهد السياسي الصهيوني.
لقد خاض نتنياهو الانتخابات في ظل حصيلة إقليمية ثقيلة عنوانها حرب غزة وما خلفته من دمار ومعاناة إنسانية وعزلة دولية متزايدة لإسرائيل، ثم المواجهة مع إيران وما رافقها من رهانات على تغيير موازين القوة في المنطقة فشلت بالكامل، كما واجه انتقادات داخلية تتعلق بإخفاقات السابع من أكتوبر 2023، والمسؤولية السياسية عن تلك الإخفاقات، وإدارة الحرب، والانقسامات بشأن الخدمة العسكرية والإعفاءات الدينية، لذلك لا يمكن اختزال تراجع معسكره في عامل واحد، لكن المؤكد أن النتيجة كانت حصيلة كلفة سنوات التصعيد وما فرضته من أثمان أمنية واقتصادية وسياسية.
أما في الولايات المتحدة، فقد حملت انتخابات الثالث من نوفمبر ضربة انتخابية واضحة لترامب وحزبه، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، حيث تكتسب النتيجة أهميتها من كونها جاءت في منتصف الولاية الرئاسية، أي في محطة تقليدية لقياس ثقة الناخبين في أداء الإدارة، وقد حضرت الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار ومخاوف الفساد والحرب مع إيران ضمن أبرز العوامل التي أثّرت في خيارات الناخبين، وبذلك لم تعد تداعيات السياسة الخارجية منفصلة عن الحسابات الداخلية الأمريكية، بل أصبحت جزءًا من تقييم الناخب لأداء رئيسه.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن خسارة الأغلبية في الكونغرس لا تسقط الرئيس دستوريا، لكنها تقيّد هامش حركته، فالديمقراطيون سيكونون قادرين على تعطيل مشاريع تشريعية، وممارسة رقابة أشد على الإدارة، وفتح تحقيقات بشأن قراراتها، وهذا يعني أن ترامب سيجد نفسه أمام مؤسسات أكثر قدرة على مساءلته، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والخارجية، وتتراجع فيه قدرة البيت الأبيض على تمرير أجندته دون مساومات.
لكن الرسالة الأعمق تتجاوز مصير نتنياهو وترامب فحسب ، فغزة، بما كشفته الحرب من مأساة إنسانية وأزمة في مصداقية الخطاب الغربي حول القانون الدولي وحقوق الإنسان، تحوّلت إلى قضية حاضرة في النقاش السياسي العالمي، وإيران، بما مثلته المواجهة معها من مخاطر على أمن المنطقة وأسواق الطاقة والاستقرار الدولي، كشفت بدورها أن الرهان على القوة العسكرية لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.
من الثابت اليوم، أن صناديق الاقتراع قد وجهت إشارتين واضحتين إلى أن القوة العسكرية لا تمنح حصانة سياسية، وأن الناخبين قادرون على تحميل قادتهم كلفة قراراتهم، وبين غزة وإيران، تبدو المنطقة أمام حقيقة بيّنة، هي أن الحروب التي تبدأ بقرارات سياسية قد تنتهي بتغيير الحسابات الانتخابية، وبإعادة رسم موازين الحكم والنفوذ.
هاشم بوعزيز