مع الشروق : مصادرة سلاح المقاومة اللبنانية.. بوابة الفتنة

مع الشروق : مصادرة سلاح المقاومة اللبنانية.. بوابة الفتنة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/17

لم تعد القضية في لبنان تقتصر على الاعتداءات الصهيونية المتواصلة، ولا على التهديدات التي تستهدف المقاومة وقيادتها، بل باتت تتصل بخطوة داخلية بالغة الخطورة تتمثل في مصادرة الحكومة لشحنات أسلحة كانت متجهة إلى المقاومة، في توقيت يتصاعد فيه التهديد الإسرائيلي وتتزايد فيه احتمالات توسيع المواجهة الإقليمية.
 وتثير هذه الخطوة مخاوف جدية من تحول الإجراءات الداخلية ضد سلاح المقاومة إلى عامل إضافي في إضعاف قدرة لبنان على مواجهة الاحتلال، ومدخل لتفجير صراع داخلي لا يخدم سوى أعداء البلاد.
فمصادرة شحنات السلاح، في ظل استمرار الاعتداءات الصهيونية واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية والتهديد بتوسيع العمليات العسكرية، ليست مسألة أمنية أو إدارية يمكن فصلها عن سياقها السياسي والعسكري بل هي خطوة تفرض إعادة النظر في أولويات السلطة اللبنانية، التي يفترض أن تضع حماية السيادة ومواجهة الاعتداءات في مقدمة مسؤولياتها.
فالسيادة لا يمكن أن تتحقق فيما يستمر الكيان الصهيوني في انتهاكه، ولا يجوز أن يصبح ضبط السلاح أولوية تتقدم على حماية الحدود ومواجهة الاعتداءات. كما أن ملاحقة وسائل تعزيز الدفاع، في وقت يواصل فيه الاحتلال تهديداته، تبعث برسائل خطيرة تمس التوازن الذي يحمي لبنان من مخاطر التصعيد الإسرائيلي.
فلقد أثبتت التجربة اللبنانية أن المقاومة لم تنشأ في فراغ، بل جاءت استجابة لواقع الاحتلال والاعتداءات وعجز الضمانات الدولية عن حماية لبنان. وكان تحرير الجنوب عام 2000 محطة تاريخية أكدت أن الاحتلال ليس قدرا، فيما شكّلت حرب 2006 دليلا على أن القوة العسكرية الصهيونية، على الرغم من تفوقها، لا تستطيع ضمان إخضاع لبنان لإرادتها.
ومن حق اللبنانيين أن يناقشوا مستقبل منظومتهم الدفاعية، لكن من غير المنطقي أن يبدأ هذا النقاش بإضعاف طرف أدى دورا أساسيا في مواجهة الاحتلال، وقبل إنهاء التهديدات الصهيونية وضمان الانسحاب من الأراضي المحتلة.
والأخطر أن مصادرة السلاح قد تتحول إلى شرارة لتوسيع الانقسام الداخلي، إذا جرى التعامل معها بوصفها مواجهة سياسية مع بيئة المقاومة بدلا من معالجتها ضمن استراتيجية وطنية شاملة. فالكيان الصهيوني الذي يسعى إلى تحييد مصادر التهديد على حدوده لا يحتاج إلى احتلال جديد كي يستفيد من انقسام اللبنانيين؛ يكفي أن يتحول الخلاف على السلاح إلى صدام داخلي يستنزف الدولة والمجتمع ويصرف الأنظار عن الاعتداءات القائمة. وليس من الضروري إثبات وجود مخطط مباشر للحرب الأهلية حتى ندرك أن السياسات التي تعمّق الانقسام وتضعف القدرة الدفاعية ترفع مخاطرها.
إن المطلوب من الحكومة اللبنانية ليس الدخول في مواجهة مع المقاومة، ولا منح الاحتلال مكاسب لم يستطع انتزاعها بالقوة، بل اعتماد موقف وطني يضع وقف الاعتداءات والانسحاب الصهيوني وحماية المدنيين في مقدمة الأولويات. فالسلاح ليس القضية الوحيدة التي تستحق النقاش؛ هناك أيضا الاحتلال، والسيادة المنتهكة، والتهديدات، وحق اللبنانيين في الأمن والكرامة.
لبنان اليوم أمام اختبار مصيري، فإما أن يحوّل خلافاته إلى حوار مسؤول يحفظ وحدته ويمنع الفتنة، وإما أن يسمح للتجاذبات الداخلية بأن تفتح الباب أمام كارثة جديدة. إن مواجهة الاحتلال لا تكون بتفكيك الداخل، والسيادة لا تُصان بتبادل الاتهامات بين اللبنانيين، بل برفض العدوان ومنع الحرب الأهلية معا. فالمطلوب حماية لبنان من الكيان الصهيوني وحمايته أيضا من كل خطوة قد تدفع أبناءه إلى الاقتتال، فيما يبقى الاحتلال المستفيد الأكبر.
ناجح بن جدو

تعليقات الفيسبوك