مع الشروق : فوضى السوق و«عربدة» الأسعار

مع الشروق : فوضى السوق و«عربدة» الأسعار

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/22

مرة أخرى يكون للتونسيين موعد جديد مع فوضى السوق و«عربدة» الأسعار بمناسبة أحد الأعياد الدينية او المواسم الاستهلاكية الكبرى. فبعد ما حصل خلال شهر رمضان وغيره من المناسبات السابقة، جاء الدور هذه المرة على عيد الأضحى الذي تميزت الاستعدادات له هذه الأيام بحالة استياء عامة بسبب قلة العرض و«التوحّش» الكبير على مستوى أسعار الأضاحي واللحوم الحمراء لدى القصابين.
تأتي هذه التطورات لتؤكد مرة أخرى ما أصبح يتميز به واقع السوق ومسالك التوزيع في بلادنا من «خروج عن السيطرة» وعن التحكم فيه من قبل الجهات المسؤولة على توفير الإنتاج والسلع المعيشية وعلى مراقبة الأسعار. فقد اتضح مرة أخرى أن السوق أصبحت رهينة بين أيدي المضاربين والمحتكرين والسماسرة، يُحددون العرض والطلب والاسعار حسب أهوائهم ومصالحهم الخاصة.
في المقابل، أصبحت بعض أجهزة الدولة المعنية تبدو غير قادرة على مجاراة هذه التحولات في الشأن المعيشي للمواطن وهو ما انتقده اكثر من مرة رئيس الجمهورية، آخرها تأكيده لرئيسة الحكومة على وجود «عديد الاخلالات في سير المرافق العمومية». فلا وزارة الفلاحة وشركائها في القطاع (اتحاد الفلاحين والمجامع المهنية لمختلف منظومات الإنتاج) قدروا على ضمان العرض الوافر من المنتجات الغذائية المعيشية، ولا وزارة التجارة تمكنت من فرض سيطرتها على مسالك التوزيع والأسعار..
كان بالإمكان ان لا يحصل كل هذا في بلد تتوفر فيه كل مقومات الإنتاج الفلاحي الوفير، من أراض خصبة ومناخ مناسب وتقاليد فلاحية عريقة، وكل مقومات التنظّم العام، من قوانين وتشريعات متطورة وأجهزة رقابية عديدة واجراءات إدارية تنظيمية صارمة. لكن تُرك المجال فسيحا أمام عربدة المتحكمين في السوق والاسعار وامام الفوضى العارمة في مسالك التوزيع وأمام التجاوزات اليومية الصارخة.
ما الذي يمنع أجهزة الدولة من تطوير الإنتاج و العرض من مختلف المنتجات الفلاحية، سواء عبر مزيد الاستثمار في الأراضي الدولية الخصبة او عبر مزيد دعم الفلاحين الخواص (دعم عند الإنتاج وليس عند البيع)؟ وما الذي يمنعها من التدخل في كل مرة عبر الآليات القانونية لتعديل السوق مثل التوريد او المقررات الإدارية لضبط الأسعار القصوى او هوامش الربح؟ وما الذي يمنع أجهزة الرقابة من فرض العقوبات الصارمة تجاه كل اشكال التجاوزات في هذا المجال؟..
جملة من التساؤلات ما انفك يطرحها المواطن بإلحاح خاصة ان المشهد اصبح نفسه تقريبا على مدار العام، ويصبح أكثر حدّة في المناسبات الدينية والمواسم الاستهلاكية الكبرى. فالمواطن لم يعد قادرا ليس فقط على تحمل الغلاء بل ايضا على سلوك المقاطعة بما ان الامر اصبح يهم كل السلع تقريبا ولا يمكن مقاطعتها جميعها لان ذلك سيؤدي به حتما الى سوء التغذية وما سيتبعها من مشاكل صحية واجتماعية واقتصادية..
لن تُلقي «فوضى السوق» بظلالها فقط على المواطن بل قد تكون لها تداعيات اقتصادية واجتماعية ثقيلة. فعدم الاستقرار المعيشي بسبب غلاء الأسعار يؤثر حتما على المردودية في العمل وعلى إنتاجية الاقتصاد الوطني. ومن شانه أيضا ان يسبب ارتباكا اجتماعيا يصيب العائلة ويؤثر على تكلفة الصحة العامة وعلى دراسة الأبناء وغيرها من الثوابت الاجتماعية. وهو ما يؤكد أكثر من أي وقت مضى ضرورة تدخل الدولة بقوة وبكل الآليات الممكنة لوضع حد ّ لفوضى السوق والاسعار سواء في المناسبات الاستهلاكية او على مدار العام.
فاضل الطياشي 

تعليقات الفيسبوك