مع الشروق : صراع النفط والوقت

مع الشروق : صراع النفط والوقت

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/01

في مضيق هرمز، لم تعد الولايات المتحدة وإيران تخوضان حربًا على الصواريخ والسفن والقواعد العسكرية فقط، بل دخلتا معركة أكثر تعقيدا، وهي معركة من يملك القدرة على الانتظار أكثر. 
فالضربة الأمريكية التي استهدفت راجمتي صواريخ للحرس الثوري الإيراني في جزيرة "لارك" الاستراتيجية لم تكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل إشارة إلى أن واشنطن قررت رفع سقف المواجهة مجددا، في وقت تدرك فيه طهران أن أخطر سلاح يمكن أن تستخدمه ضد دونالد ترامب قد لا يكون الصاروخ، وإنما الساعة.
ولا تعدّ جزيرة "لارك" مجرد بقعة في الخليج، بل إن موقعها يجعلها جزءا حساسا من المعادلة العسكرية في مضيق هرمز، ولذلك فإن استهدافها يحمل رسالة أمريكية واضحة وهي ان واشنطن لن تسمح لإيران بتحويل المضيق إلى منطقة محرمة على حركة الملاحة أو إلى منصة لتهديد القوات والسفن الأمريكية.
لكن طهران قرأت الرسالة بطريقة مختلفة، فالحرس الثوري أعلن مقتل وإصابة عدد من مقاتليه ومواطنين، ووصف الهجوم بأنه "عدوان أمريكي صهيوني"، متوعدا بالرد، ومعتبرًا الضربة "خطأ استراتيجيًا قاتلا" سيكلف الولايات المتحدة عسكريا واقتصاديا، وبالفعل جاءت الضربات الإيرانية على مواقع أمريكية في المنطقة لتؤكد أن الرد لن يكون مجرد بيان سياسي.
والمشكلة التي يواجهها ترامب ليست في قدرة الجيش الأمريكي على توجيه ضربات مؤلمة لإيران، فهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من الإثبات، وإنما المشكلة هي أن القوة الأمريكية تستطيع أن تبدأ الحرب بسهولة أكبر مما تستطيع إنهاءها، وهنا تحديدا تبدأ الحسابات الإيرانية.
في المطلق لا تحتاج إيران إلى تدمير الأسطول الأمريكي، ولا إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي على واشنطن، بل يكفيها أن تجعل الحرب طويلة ومكلفة وغير قابلة للتحول إلى صورة انتصار أمريكي واضح. 
وكل أسبوع إضافي من التوتر في هرمز يعني ضغطا إضافيا على أسعار النفط، وعلى شركات النقل والتأمين، وعلى الاقتصاد العالمي، وفي النهاية على الناخب الأمريكي نفسه، وهذا هو الرهان الأخطر.
ترامب الذي دخل المواجهة وهو يملك تفوقا عسكريا هائلا، اصبح يتحرك أيضا داخل ساعة سياسية لا تتوقف، فانتخابات التجديد النصفي تقترب، والرئيس الأمريكي يحتاج إلى قصة نجاح يستطيع بيعها للناخبين وهي ان إيران تراجعت، الملاحة عادت، والولايات المتحدة انتصرت.
والسؤال هنا هو ماذا لو حدث العكس؟ ماذا لو تحولت العملية العسكرية التي كان يفترض أن تنتج انتصارا سريعا إلى حرب استنزاف؟ ماذا لو بقي هرمز مضطربا، وبقي النفط مرتفعا، وواصلت إيران الرد في أكثر من ساحة، وبدأ الناخب الأمريكي يشعر بأن الحرب أصبحت عبئا على الأسعار والاقتصاد بدل أن تكون إنجازا للرئيس؟
عند كل هذه الأمور تتحول الضربة العسكرية إلى مشكلة سياسية، وهنا يمكن فهم الرهان الإيراني على الصبر الاستراتيجي، فإيران لا تحتاج إلى استعجال المواجهة، و بالنسبة إليها مرور الوقت ليس بالضرورة خسارة، بل بالعكس كلما طال الصراع دون حسم، أصبحت مهمة ترامب أكثر صعوبة.
إنها لعبة شطرنج قاسية، فواشنطن تريد كش ملك سريعا، بينما تحاول طهران دفع خصمها إلى تحريك المزيد من القطع، والدخول أكثر فأكثر في رقعة لا يستطيع الخروج منها بسهولة.
بدرالدّين السّيّاري
 

تعليقات الفيسبوك