مع الشروق : حسابات ترامب ونتنياهو... في طريق مسدودة؟

مع الشروق : حسابات ترامب ونتنياهو... في طريق مسدودة؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/04

ظلّ الكيان الصهيوني يداور ويناور ويضغط على مدى عقود لجرّ الولايات المتحدة الأمريكية إلى دائرة الحرب المباشرة مع إيران. ويبدو أن نتنياهو نجح جزئيا في حرب الاثني عشرة يوما الصيف الماضي عندما استدرج أمريكا لقصف منشآت رئيسية في البرنامج النووي الايراني.. أما هذه المرة فقد سجل نجاحا باهرا عندما نجح في استدراج الرئيس ترامب إلى مربع المواجهة.. لتصبح الحرب حربا أمريكية ـ إسرائيلية على إيران. لماذا «استسلم» ترامب هذه المرة؟ وما طبيعة الأهداف التي جعلته يقدم على هذه المغامرة التي قد تفتح على حرب اقليمية مدمرة إن لم نقل على حرب عالمية؟
في الخطوط العريضة ترامب ونتنياهو متفقان. وعلى الأهداف الكبرى لا شيء يفرّق بينهما. ترامب يلعب لعبة على مستوى العالم.. حيث يريد تهيئة الأرض لاستقبال مشاريعه الكبرى وعلى رأسها طريق الهند ـ أوروبا والتي يهدف من ورائها إلى احتواء واجهاض طريق وحزام الحرير الصيني.. كما يريد وضع اليد على مصادر الطاقة وعلى ممرات التجارة الدولية ليتمكن فيما بعد من ضبط ايقاع معدلات التنمية في الصين التي باتت تتفوق على ما تحققه أمريكا والتي تعتمد في جزء كبير من حاجياتها للطاقة على نفط وغاز الخليج وبخاصة إيران.. وبما أن الصين قد بلغت درجة من القوة الاقتصادية وحتى العسكرية باتت تهدّد التفوّق الأمريكي وهيمنة أمريكا على العالم ونظامها الدولي الاحادي القطبية، فإن كبح جماحها وخنقها يصبح ممكنا من خلال السيطرة على مصادر الطاقة.. كما أن الانخراط وراء نتنياهو والتمركز في «سرة العالم» يمكّن أيضا من تطويق التغلغل الروسي في المنطقة وبخاصة في افريقيا وتوجيه رسائل مضمونة الوصول إلى موسكو وبيكين اللتان لا تخفيان رغباتهما في تقويض هيمنة أمريكا على النظام الدولي الاحادي وارساء نظام دولي متعدد الأقطاب.
أما نتنياهو فإن أهدافه معلنة وأوراقه مكشوفة. وهو يتقاسمها بالكامل مع الرئيس ترامب الذي أعلن صراحة أنه يهودي  وبالتالي فإنه معني وملتزم بكل ما يخدم مصالح اسرائيل. ويكفي أن نستذكر في هذا المجال أنه الرئيس الأمريكي الذي تجرأ على نقل سفارة أمريكا إلى القدس المحتلة واعترف بها عاصمة أبدية لاسرائيل تماما كما اعترف بضم هضبة الجولان السوري المحتل. ونتنياهو يريد «اسرائيل الكبرى» ويدرك أن اللحظة الملائمة قد تهيأت اقليميا ودوليا.. لذلك نجده يسابق الزمن للاندفاع في الاقليم ووضع اليد على أراضي 8 دول عربية يعتبرها جزءا لا يتجزأ من «أرض اسرائيل».. وهو نفس الموقف الذي عبّر عنه  سفير أمريكا لدى الكيان (مايكل هاكابي) عندما صرّح للصحفي الأمريكي «تاكر كارلسون» بأنه يحق لاسرائيل وضع اليد على أراضي هذه الدول العربية الثمانية التي «وهبها الرب لليهود». لكن حسابات نتنياهو تصطدم كل مرة بإيران التي باتت تشكل تهديدا صريحا لكل مخططاته.. دولة كبرى اقليميا. جغرافيا شاسعة وثقل بشري كبير. نظام عقائدي بنى ومؤسسات قوية. وفوق هذا بنى قوة عسكرية جبارة ويمضي في تنفيذ برنامج نووي سلمي ترى فيه اسرائيل تهديدا وجوديا لها لأنه يمكن تحويل وجهته في أي وقت ليصبح قادرا على صنع قنبلة نووية.
وعند هذه المحطة فقد ظلت أمريكا تضغط لتحجيم البرنامج الثوري الايراني فيما ظل نتنياهو يضغط لاستدراج حليفه الأمريكي إلى مربّع الاقتناع بأن النظام الايراني برمته هو الخطر الحقيقي على المشاريع الأمريكية والاسرائيلية للمنطقة، وفي الأخير نجح نتنياهو في استدراج الرئيس ترامب إلى خانة المواجهة المباشرة مع ايران.. ليس هذا فقط، بل واستدراجه إلى مربع اسقاط النظام الايراني برمته وليس مجرّد اضعافه أو تدمير قدراته النووية. ولعل خطة اغتيال المرشد الايراني عند انطلاق العدوان كانت مبرمجة أمريكيا وصهيونيا لتلعب دور «الصاعق» الذي سيدفع الشعب الايراني إلى التمرد على النظام واسقاطه وبذلك يحقق للأمريكان والصهاينة ما عجزوا حتى الآن عن تحقيقه بالصواريخ وبالحصار الاقتصادي..
لكن الشعب الايراني سفه أحلامهم وأبان عن وعي كبير بحقيقة وخفايا الصراع وعن حسّ وطني وانتماء كبيرين جعلاه يدرك منتهى هذا المخطط الخبيث الذي يهدف إلى وضع اليد على إيران وتنصيب قيادة عميلة على رأسها.. وإزاء هذه الصفعة المدوية التي تلقاها نتنياهو وترامب فإن صمود إيران وقدرتها على ايذاء الصهاينة والأمريكان ستدفعهما في نهاية المطاف إلى الرضوخ للأمر الواقع والعودة إلى مربع العمل الديبلوماسي.. تماما كما حدث في حرب الاثني عشرة يوما الصائفة الماضية.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك