مع الشروق : تونس ـ الجزائر .. وحدة الدّم... وحدة المصير

مع الشروق : تونس ـ الجزائر .. وحدة الدّم... وحدة المصير

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/29

منطقتنا العربية تموج بالدسائس والمؤامرات.. وتضجّ بالمخططات الاستعمارية وبنوايا وحسابات الهيمنة والتحكم في مقادير شعوبها. فهذا ما يسمى «شرق أوسط جديد» يريد أن يمرّ وعماده زرع الفوضى لاضعاف الدول ودفع الشعوب إلى تدمير نفسها بنفسها تمهيدا لتفتيتها وتقسيمها.. وهذا مخطط ما يسمّى «اسرائيل الكبرى» الذي يريد أن يتمطط غربا من النيل إلى الفرات وشرقا إلى المنطقة المغاربية ليضمها تحت جناح التطبيع مع الكيان الصهيوني. وهذه ثروات هائلة وطائلة لا تزال تنام في باطن الأرض العربية وهي تسيل لعاب القوى الاستعمارية وتدفعها دفعا للهيمنة على دولنا واستباحة ثرواتنا وخيراتنا.. وهذه ممرات مائية ومواقع استراتيجية تستهوي المنخرطين في لعبة الأمم التى تطلّع نحو بلداننا في استنساخ وقح لتجربة الاحتلال المباشر.. وهذا نظام دولي احادي القطبية بدت عليه علامات الاعياء والاجهاد وبدأ يترنح لكنه يكشّر عن أنيابه أمام زحف أقطاب دولية قادمة من الشرق وتندفع نحو ارساء نظام دولي متعدد الأقطاب ينهي هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية ويفسح المجال لعلاقات دولية تقوم على أسس جديدة قوامها التعاون والمصالح المشتركة..
وسط هذه الموجة السوداوية المرعبة.. ووسط هذا المشهد السريالي المخيف تجد الدول العربية نفسها أمام ضرورة رصّ الصفوف واعطاء التضامن محتوى جديدا يرتقي بعلاقاتها إلى مرتبة التلاحم العضوي والمصيري.. وهي المعاني التي عبّر عنها وكرّسها مؤخرا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في خطابه أمام نواب الشعب.. فقد تطرق من جملة ما تطرق إليه من مسائل وتحديات وقضايا اقليمية ودولية إلى مسألة العلاقات مع بلدنا تونس. ونحن نعلم مسبقا حجم الحب والتقدير الذي يكنّه الرئيس الجزائري والشعب الجزائري لتونس قيادة وشعبا. الرئيس تبون لم ينس التذكير بملاحم النضال المشترك ضد الاحتلال الفرنسي.. وكيف احتضنت تونس قيادة وشعبا الثورة الجزائرية ودفعت ضريبة الدم في سبيل انعتاق الشقيقة الجزائر.. وقد كانت احداث ساقية سيدي يوسف خير وأكبر شاهد على وحدة الدم والمصير وعلى الارتباط العضوي والصلب بين بلدين وشعبين يجمع بينهما كل شيء وتوحدهما التحديات المشتركة التي يواجهانها.
هذه التحديات تطرق إليها الرئيس تبون في سياق تحليله لمنتهى التحولات الدولية والاقليمية وكذلك في سياق ما ارتآه من ضرورة وضع النقاط على الحروف وتوجيه الرسائل الواضحة والقوية لكل من تحدثه نفسه باستهداف تونس أو باستهداف الجزائر من خلال استهداف تونس. الرئيس تبون أعاد تأكيد الثوابت التي ترتكز عليها علاقاتنا الثنائية.. ثوابت لخّصها في المعادلة التالية:
ـ أمن الجزائر من أمن تونس وأمن تونس من أمن الجزائر.. لتأتي بعدها «أم الرسالات» بقوله ان من يريد النيل من أمن تونس عليه المرور أولا بالجزائر وأن بلد المليون ونصف المليون شهيد سوف يلقنه أقسى الدروس فيما لو حاول اختبار جدية الجزائر وتصميمها على اسناد شقيقتها تونس في وجه كل الدسائس والمؤمرات.
الرئيس تبون أراد من خلال رسائله الظاهرة والخفية استباق التحولات الاقليمية التي تضجّ بها منطقتنا العربية والتي توشك أن تحط رحالها في المنطقة المغاربية وتحديدا في تونس والجزائر بعد الانتهاء من ترتيبات الشرق الأوسط.. فالبلدان يتكلمان بلغة السيادة وبلغة استقلال القرار الوطني.. والبلدان يرفضان التطبيع مع الكيان الصهيوني ويرفضان الانخراط في ما يسمى «الديانة الابراهيمية» والبلدان يرفضان استباحة أراضيهما من قبل قوى الشر والاستكبار.. ولذلك تضعهما دوائر الهيمنة والصهيونية العالمية وأذْنَابُهما في عين »الاعصار» الذي يخططون له.. وحين يتعمّد الرئيس الجزائري توجيه تلك الرسائل بذلك الوضوح وبذلك الحزم فإنه يعبّر عن استعداد الجزائر الكامل لمواجهة هذه النوايا الخبيثة وهذه المخططات المشبوهة.. وهي رسائل تشترك فيها تونس معه ومع الجزائر الشقيقة بكل مكوناتها وتعبّر عن تثمينها لهذه المضامين ولهذه الروح الأخوية التي تنبض حبا ودعما وعرفانا.. تماما كما تعبّر عن استعدادها الدائم للذود عن حياض الوطن في مواجهة كل المخططات وكل الدسائس وكل المؤمرات.. وإن لبست أحيانا لبوس ضغوط وأزمات اقتصادية ولبست أحيانا أخرى لبوس تحريك لورقة الارهاب ومحاولة زعزعة أمن واستقرار البلاد.
لقد أبدع الرئيس الجزائري وهو يوجه تلك الرسائل الصارمة ويذكّر من أصيبوا بآفة النسيان أن تلاحم الدم ووحدة المصير اللتين بناهما الشعبان التونسي والجزائري بدماء وبتضحيات الأجداد، لا تزالان السند والبوصلة للأحفاد.. إلى أن يحق الحق ويزهق الباطل.. والباطل زهوق بطبعه كما أخبرنا العلي القدير.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك