مع الشروق : اليمن... من حرب أهلية إلى مواجهة إقليمية؟

مع الشروق : اليمن... من حرب أهلية إلى مواجهة إقليمية؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/13

بات اليمن يواجه خطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدوده، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والرهانات الجيوسياسية.
فمع تجدد المعارك على جبهات عدّة، وتصاعد الهجمات الحوثية على منشآت ومطارات سعودية وسقوط قتلى وجرحى، تبدو البلاد وكأنها تعود إلى نقطة الصفر، بعد سنوات من المحاولات المتعثرة لاحتواء الصراع وإيجاد تسوية تنهي معاناة اليمنيين.
هذا التصعيد الكبير دفع المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إلى التحذير من عودة البلاد إلى حرب واسعة النطاق، مع اتساع رقعة المواجهات في مناطق متعددة، وهو تطور يعكس هشاشة التهدئة السابقة، وعجز المساعي السياسية عن معالجة جذور الأزمة، في ظل استمرار الانقسامات الداخلية وتضارب أجندات القوى الإقليمية.
ولعلّ أخطر ما في المشهد أن اليمن لم يعد ساحة صراع داخلي فحسب، فالهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية تفتح الباب أمام ردود عسكرية قد تتجاوز حدود العمليات المحدودة، وتدفع الرياض إلى توسيع تدخلها، فيما قد تجد أطراف إقليمية أخرى نفسها منخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المواجهة.
لكن اختزال الأزمة في مواجهة بين الحوثيين والسعودية لا يكفي لفهم تعقيداتها، فاليمن يعيش انقساما سياسيا وعسكريا عميقا، تتداخل فيه سلطة الحوثيين في الشمال مع الحكومة المعترف بها دوليا وتعدّد القوى المحلية ومراكز النفوذ.
كما أن تباين مصالح الأطراف المناهضة لجماعة حوثيين يضعف قدرتها على بناء مشروع وطني موحد، ويجعل أي تقدم عسكري عاجزا، بمفرده، عن ضمان استقرار مستدام.
في قلب هذه المعادلة يبرز مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، فالمضيق الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن يمثل شريانا أساسيا لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، كما ترتبط أهميته بأمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، لذلك، فإن السيطرة على المناطق الساحلية المحيطة به أو تهديد حركة السفن يمنح الأطراف المتصارعة ورقة ضغط تتجاوز قيمتها حدود الجغرافيا اليمنية.
 ومن هنا، تتقاطع الأزمة مع التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ والممرات البحرية وأمن الطاقة، فأي اضطراب طويل الأمد في باب المندب يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويعطل سلاسل الإمداد، ويدفع قوى دولية إلى التدخل لحماية مصالحها، وعندها يصبح اليمن معرضا للتحول إلى ساحة تتواجه فيها حسابات إقليمية ودولية، بينما يدفع سكانه الثمن الأكبر.
والسؤال الآن هو كيف يمكن إخماد هذا الصراع قبل أن يتحول إلى كارثة إقليمية؟ تبدأ الخطوة الأولى بوقف فوري للهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية، ووقف الضربات المتبادلة التي توسع دائرة الانتقام، بالتوازي مع ضمان حرية الملاحة البحرية.
لكن التهدئة الأمنية لن تصمد ما لم تتحول إلى مسار سياسي جاد برعاية الأمم المتحدة، تشارك فيه القوى اليمنية الأساسية، ويعالج قضايا تقاسم السلطة والموارد، ومستقبل المؤسسات الوطنية، والضمانات الأمنية.
كذلك، تحتاج التسوية إلى تفاهمات إقليمية واضحة، خصوصا بين السعودية وإيران (عرضت الوساطة)، تمنع استخدام الساحة اليمنية لتصفية الحسابات، وتُلزم الأطراف باحترام أي اتفاق يتم التوصل إليه.
في النهاية، لن ينتصر اليمن إذا انتصر طرف على آخر عسكريا، بل إذا نجح اليمنيون في استعادة دولتهم ومنع تحويل بلادهم إلى ورقة في صراعات الآخرين، فإخماد الحرب لا يبدأ من عدد الصواريخ التي يمكن اعتراضها، بل من قرار سياسي يضع حياة اليمنيين فوق حسابات النفوذ، أما استمرار التصعيد فلن يحاصر خصما واحدا، بل قد يفتح أبواب المنطقة كلها أمام مواجهة يصعب التحكم في نهاياتها.
بدرالدّين السّيّاري

تعليقات الفيسبوك