مع الشروق : المسؤولية أمانة.. والاستقالة «ثقافة»

مع الشروق : المسؤولية أمانة.. والاستقالة «ثقافة»

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/26

لماذا لا يستقيل المسؤول عندما يفشل في تحقيق النتائج المرجوة وخاصة عندما لا يبذل العناية اللازمة التي تقتضيها مسؤوليته؟ مطلب طالما نادى به المواطن في عديد المجالات، ووجد خير مثال لذلك في خيبة المنتخب الوطني لكرة القدم الاخيرة في "المونديال" وقبلها في الكاس العربية وكاس افريقيا للأمم. ذلك ان مسألة استقالة أعضاء المكتب الجامعي طُرحت بقوة في الآونة الاخيرة لدى الرأي العام بعد النتائج الكارثية المُحقّقة والتي قال جلّ المتابعين والمختصين ان من بين أسبابها فشل مسؤولي الجامعة في أداء المهمة التي تحملوها.. 
بعيدا عن القطاع الرياضي، عادة ما يُثار ملف استقالة المسؤول الذي لا يقوم بواجبه على الوجه الأمثل في عدة قطاعات أخرى لا سيما في المجالات التي في علاقة مباشرة بالشان المعيشي اليومي للمواطن.  وهو ما ذكّر به رئيس الجمهورية قيس سعيد أكثر من مرة عندما دعا كافة المسؤولين في مختلف أجهزة الدولة والجهات للاضطلاع بمهامهم ومسؤولياتهم على الوجه الأكمل والمطلوب وشدد على تحميل المسؤولية كاملة لمن أخلّ بواجباته وعلى أن " من يتحمل المسؤولية في الدولة لابد أن يتحمّلها كالجندي على جبهة القتال".. 
وقد اتضح أكثر من مرة فشل وعجز بعض المسؤولين عن تحقيق ما يُنتظر منهم لكن رغم ذلك، وبدل الاعتراف بالعجز والفشل وتقديم الاستقالة، يتشبثون بالمنصب ويواصلون أداء مهامهم وكأن شيئا لم يكن غير مبالين بالانتقادات ولا بانكشاف فشلهم وعجزهم.   والثابت ان هذا الفشل عادة ما يتسبب في الحاق مضرة بالمصلحة الوطنية الى جانب تكلفته المالية التي يتحملها دافعو الضرائب دون ان تنعكس  نتائجها على ارض الواقع. وهو ما يُحتّم في كل مرة "التغيير" إما بالإقالة او الاستقالة من اجل تحسين أداء المسؤول وتحقيق النتائج المرجوّة.
ليست الاستقالة عقابا للمسؤول ولا تشويها لصورته او انقاصا من قيمته وكفاءته او من روح المسؤولية لديه، فأسباب الفشل عديدة وقد لا يتحملها ذلك المسؤول بمفرده. إلا أنها "ضريبة" على المسؤول ان يتحملها عندما يفشل او يعجز عن تحقيق النتائج المنتظرة. فالاستقالة - كما ما في عديد المجتمعات المتقدمة – ثقافة كاملة، بل هي من جوهر تحمل المسؤولية، عندما تكون النتائج دون مستوى الانتظارات المرجوة. وتحمل المسؤولية من المفروض ان يرتبط ليس فقط بالأداء بل بالنتائج المحققة ويكون بذلك "التزاما بتحقيق نتيجة" وليس فقط "التزاما ببذل عناية". 
وأكثر من ذلك فإن الاستقالة بسبب ضعف النتائج ترفع من شأن المستقيل ومن قيمته الاعتبارية في المجتمع، وتؤكد مدى احترامه للعقد الأخلاقي الذي كان يربطه بالناس وبالمصلحة الوطنية العليا للبلاد. فالاستقالة قد تفتح الباب أمام مسؤول آخر أكثر كفاءة وجدارة ليتولى تلك المسؤولية ويتحقق على يديه الانقاذ والإصلاح في ذلك القطاع وتتحقق المصلحة المرجوة للجميع. أما التشبث بالمنصب وبالمسؤولية – رغم الفشل- فإنه سيزيد من حدة الغضب والاحتقان والفوضى ومن نسبة تعثر الإصلاحات المنتظرة ومن تفاقم الأوضاع نحو الأسوأ.
اليوم، آن الأوان لأن يتحوّل الاعتراف بالفشل والعجز المتبوع بالاستقالة من المنصب الى ثقافة مجتمعية قوية تعلو فيها المصلحة الوطنية العليا كل المصالح الخاصة والشخصية. فهذه الثقافة ستؤدي حتما الى تقوية الشعور بالمسؤولية وتحمّلها على الوجه الأمثل.  لكن في المقابل لا يجب ان تكون ثقافة الاستقالة غطاء يحول دون ثقافة المحاسبة. فالمحاسبة يجب ان تكون مسألة بديهية بعد الفشل سواء تعلق الامر باستقالة ام بإقالة، وبذلك يقع تكريس كل المعاني الحقيقية لتحمل المسؤولية في الدولة والمجتمع.
فاضل الطياشي

تعليقات الفيسبوك