مع الشروق : الفجوة تتوسع بين الكيان الصهيوني وأمريكا
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/27
منذ الإعلان عن الاتفاق الأمريكي الإيراني قبل أيام، والذي أسهم في تثبيت وقف إطلاق النار، خرجت إلى العلن خلافات كانت تُدار لعقود خلف الأبواب المغلقة بين واشنطن والكيان الصهيوني. فقد كشف هذا الاتفاق أن المصالح الأمريكية لم تعد تتطابق بالضرورة مع أجندة الحكومة الصهيونية، وأن سياسة الدعم غير المشروط التي تمتعت بها إسرائيل لعشرات السنين بدأت تواجه اختبارات غير مسبوقة. فما كان يُعد في الماضي تحالفا استراتيجيا لا يقبل المراجعة، أصبح اليوم موضع نقاش داخل المؤسسات الأمريكية ووسائل الإعلام وحتى في أوساط الرأي العام. العدوان الغاشم على غزّة كانت نقطة الانكسار الكبرى في صورة الكيان الصهيوني داخل الولايات المتحدة. فمشاهد الدمار الهائل، وسقوط عشرات الآلاف من المدنيين، وما رافق ذلك من اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين، أحدثت تحولا عميقا في المزاج الأمريكي. ولم يعد الرفض مقتصرا على أوساط اليسار أو الحزب الديمقراطي، بل امتد إلى قطاعات من الجمهوريين أيضا، في سابقة تعكس حجم التغير الذي أصاب النظرة الأمريكية إلى المشروع الصهيوني.
ولأول مرة، تكشف استطلاعات الرأي أن الأمريكيين من الجيل الشاب باتوا أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين من الصهاينة، وهو تحول تاريخي ينسف واحدة من أهم ركائز الدعاية الصهيونية في الغرب. فهذا الجيل لم يعد يتأثر بالرواية التقليدية التي احتكرت المشهد لعقود، بل أصبح أكثر اطلاعا على ما يجري في الأراضي الفلسطينية، وأكثر استعدادا لمساءلة السياسات الإسرائيلية وانتقادها.
ولم يقتصر هذا التحول على الشارع الأمريكي، بل امتد إلى مراكز الفكر وصناعة القرار، وإلى قطاعات من الجالية اليهودية نفسها، حيث تتزايد الأصوات التي ترفض الخلط بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كمشروع سياسي. وهذا التحوّل يمثل ضربة معنوية وسياسية للمشروع الصهيوني الذي طالما سعى إلى احتكار تمثيل اليهود في العالم. أما على المستوى السياسي، فقد انفجرت الخلافات بين واشنطن وتل أبيب بصورة غير مسبوقة. فقد تبادل مسؤولون من الجانبين الانتقادات العلنية، وبرز التباين بوضوح حول ملفات إيران والحرب والتهدئة.
كما تحدثت تقارير إعلامية أمريكية عن نقاشات داخل دوائر صنع القرار بشأن مستقبل القيادة الإسرائيلية وإمكانية التعامل مع شخصيات أخرى غير بنيامين نتنياهو، وهي تقارير لم تؤكدها الإدارة الأمريكية رسميا، لكنها تعكس بوضوح حجم الاستياء من سياسات الحكومة الصهيونية الحالية.
وفي المقابل، لم تتردد شخصيات بارزة في حكومة الاحتلال ووسائل إعلام إسرائيلية في مهاجمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واتهامه بالتفريط بالمصالح الإسرائيلية، بعد توجهه نحو تفاهمات إقليمية لا تنسجم مع رؤية حكومة نتنياهو. وهذا السجال العلني يؤكد أن العلاقة بين الطرفين لم تعد تقوم على الانسجام المطلق، وإنما باتت تحكمها المصالح والحسابات السياسية الأمريكية أولا.
ورغم أن التحالف بين واشنطن والكيان الصهيوني لم ينته، فإن ملامح مرحلة جديدة بدأت تتشكل. فالإدارة الأمريكية أصبحت أكثر ميلا إلى النظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفا يمكن مساءلته، لا استثناء فوق كل مساءلة، كما أن الرأي العام الأمريكي لم يعد مستعدا لمنح الحكومات الصهيونية شيكا على بياض مهما كانت سياساتها. لقد عاش الكيان الصهيوني منذ تأسيسه على المظلة الأمريكية سياسيا وعسكريا واقتصاديا وديبلوماسيا، وكان هذا الدعم هو الضمانة الأساسية لاستمراره وتفوقه في المنطقة. ولذلك، فإن أي تراجع حقيقي ومستدام في هذا الدعم لن يكون خلافا عابرا بين حليفين، بل سيكون تحولا استراتيجيا ستكون له انعكاسات عميقة على مستقبل الصهاينة وموازين القوى في الشرق الأوسط.
وإذا استمرت الفجوة في الاتساع، واستمر الرأي العام الأمريكي في الابتعاد عن المشروع الصهيوني، فإن الكيان سيجد نفسه أمام تحديات غير مسبوقة وسيج نفسه بداية النهاية ، لأن الدويلة التي قامت على الدعم الغربي لا تستطيع تجاهل اهتزاز أهم ركيزة استندت إليها طوال أكثر من سبعة عقود.
ناجح بن جدو
منذ الإعلان عن الاتفاق الأمريكي الإيراني قبل أيام، والذي أسهم في تثبيت وقف إطلاق النار، خرجت إلى العلن خلافات كانت تُدار لعقود خلف الأبواب المغلقة بين واشنطن والكيان الصهيوني. فقد كشف هذا الاتفاق أن المصالح الأمريكية لم تعد تتطابق بالضرورة مع أجندة الحكومة الصهيونية، وأن سياسة الدعم غير المشروط التي تمتعت بها إسرائيل لعشرات السنين بدأت تواجه اختبارات غير مسبوقة. فما كان يُعد في الماضي تحالفا استراتيجيا لا يقبل المراجعة، أصبح اليوم موضع نقاش داخل المؤسسات الأمريكية ووسائل الإعلام وحتى في أوساط الرأي العام. العدوان الغاشم على غزّة كانت نقطة الانكسار الكبرى في صورة الكيان الصهيوني داخل الولايات المتحدة. فمشاهد الدمار الهائل، وسقوط عشرات الآلاف من المدنيين، وما رافق ذلك من اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين، أحدثت تحولا عميقا في المزاج الأمريكي. ولم يعد الرفض مقتصرا على أوساط اليسار أو الحزب الديمقراطي، بل امتد إلى قطاعات من الجمهوريين أيضا، في سابقة تعكس حجم التغير الذي أصاب النظرة الأمريكية إلى المشروع الصهيوني.
ولأول مرة، تكشف استطلاعات الرأي أن الأمريكيين من الجيل الشاب باتوا أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين من الصهاينة، وهو تحول تاريخي ينسف واحدة من أهم ركائز الدعاية الصهيونية في الغرب. فهذا الجيل لم يعد يتأثر بالرواية التقليدية التي احتكرت المشهد لعقود، بل أصبح أكثر اطلاعا على ما يجري في الأراضي الفلسطينية، وأكثر استعدادا لمساءلة السياسات الإسرائيلية وانتقادها.
ولم يقتصر هذا التحول على الشارع الأمريكي، بل امتد إلى مراكز الفكر وصناعة القرار، وإلى قطاعات من الجالية اليهودية نفسها، حيث تتزايد الأصوات التي ترفض الخلط بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كمشروع سياسي. وهذا التحوّل يمثل ضربة معنوية وسياسية للمشروع الصهيوني الذي طالما سعى إلى احتكار تمثيل اليهود في العالم. أما على المستوى السياسي، فقد انفجرت الخلافات بين واشنطن وتل أبيب بصورة غير مسبوقة. فقد تبادل مسؤولون من الجانبين الانتقادات العلنية، وبرز التباين بوضوح حول ملفات إيران والحرب والتهدئة.
كما تحدثت تقارير إعلامية أمريكية عن نقاشات داخل دوائر صنع القرار بشأن مستقبل القيادة الإسرائيلية وإمكانية التعامل مع شخصيات أخرى غير بنيامين نتنياهو، وهي تقارير لم تؤكدها الإدارة الأمريكية رسميا، لكنها تعكس بوضوح حجم الاستياء من سياسات الحكومة الصهيونية الحالية.
وفي المقابل، لم تتردد شخصيات بارزة في حكومة الاحتلال ووسائل إعلام إسرائيلية في مهاجمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واتهامه بالتفريط بالمصالح الإسرائيلية، بعد توجهه نحو تفاهمات إقليمية لا تنسجم مع رؤية حكومة نتنياهو. وهذا السجال العلني يؤكد أن العلاقة بين الطرفين لم تعد تقوم على الانسجام المطلق، وإنما باتت تحكمها المصالح والحسابات السياسية الأمريكية أولا.
ورغم أن التحالف بين واشنطن والكيان الصهيوني لم ينته، فإن ملامح مرحلة جديدة بدأت تتشكل. فالإدارة الأمريكية أصبحت أكثر ميلا إلى النظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفا يمكن مساءلته، لا استثناء فوق كل مساءلة، كما أن الرأي العام الأمريكي لم يعد مستعدا لمنح الحكومات الصهيونية شيكا على بياض مهما كانت سياساتها. لقد عاش الكيان الصهيوني منذ تأسيسه على المظلة الأمريكية سياسيا وعسكريا واقتصاديا وديبلوماسيا، وكان هذا الدعم هو الضمانة الأساسية لاستمراره وتفوقه في المنطقة. ولذلك، فإن أي تراجع حقيقي ومستدام في هذا الدعم لن يكون خلافا عابرا بين حليفين، بل سيكون تحولا استراتيجيا ستكون له انعكاسات عميقة على مستقبل الصهاينة وموازين القوى في الشرق الأوسط.
وإذا استمرت الفجوة في الاتساع، واستمر الرأي العام الأمريكي في الابتعاد عن المشروع الصهيوني، فإن الكيان سيجد نفسه أمام تحديات غير مسبوقة وسيج نفسه بداية النهاية ، لأن الدويلة التي قامت على الدعم الغربي لا تستطيع تجاهل اهتزاز أهم ركيزة استندت إليها طوال أكثر من سبعة عقود.
ناجح بن جدو