مع الشروق : إصلاح التعليم.. البداية من هنا !

مع الشروق : إصلاح التعليم.. البداية من هنا !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/24

انطلق المجلس الأعلى للتربية والتعليم في أعماله يوم 17 أوت الجاري لتجسيد مطلب ملح ظل يرفعه الأولياء والإطار التربوي وكل من يعنيه مستقبل المدرسة التونسية من أجل إصلاح منظومة أثقلتها المشاكل وتراكمت داخلها الإخلالات، ومع ذلك أفرزت أجيالا من المهندسين والأطباء وسائر الكفاءات، حتى غدت شهاداتهم وخبراتهم مطلوبة في مختلف دول العالم.
وعلى هذا، لا ينبغي أن يُفهم إصلاح التعليم باعتباره هدما لما تحقق، ولا تنكّرا لما راكمته المدرسة التونسية من مكاسب، بل إنقاذا لمكامن القوة فيها ومعالجة لإخلالاتها.
والإصلاح الحقيقي لا يبدأ، في تقديرنا، بتغيير البرامج والمناهج وساعات التمدرس وغيرها، وإنما من القسم الذي يجلس فيه الطفل للمرة الأولى.. ومن المدرسة التي تتشكل داخلها علاقته بالعلم والمعرفة والمجتمع ، ففي السنوات الأولى تُبنى الأسس المعرفية والمهارات،  وتتكوّن شخصية المتعلم، ويتشكل موقفه من المدرسة: أهي فضاء يفتح أمامه أبواب المستقبل، أم مجرد مكان يقضي فيه سنوات الدراسة؟.
والمسألة ليست مجرد تحسين النتائج المدرسية، وإنما إعادة الاعتبار إلى المدرسة باعتبارها أول مؤسسة اجتماعية يتعلم فيها الطفل معنى الأخلاق والنظام والعمل الجماعي والاختلاف والمسؤولية والثقة بالنفس، فالطفل الذي يجد معلما متمكنا، وقسما غير مكتظ، وفضاءً لائقا ومناهج تحفّز عقله، تكون فرصه في النجاح أكبر من طفل يبدأ مساره في مدرسة تعاني الاكتظاظ ونقص التجهيزات وضعف الإمكانات.
ولا حاجة لنا إلى تقليد نماذج العالم حرفياً، لكن يجدر بنا أن نقرأ تجارب البلدان التي حققت نتائج لافتة، ففي فنلندا تحظى المساواة وجودة التعليم الأساسي وتكوين المدرسين بأولوية واضحة، بينما تعتمد سنغافورة نظاماً أكثر مركزية وانضباطا يولي أهمية للمهارات الأساسية والتقييم المستمر والتكوين المتواصل للمدرسين. وتؤكد تجارب كوريا الجنوبية واليابان بدورها أهمية الاستثمار في المعلم والانضباط والعمل الجماعي منذ السنوات الأولى، وإن كان الضغط الدراسي المرتفع فيها محل انتقاد.
وما يجمع هذه التجارب ليس وصفة جاهزة يمكن نقلها من بلد إلى آخر، وإنما مبادئ واضحة: أولوية التعليم الابتدائي، جودة تكوين المدرس، تقليص الاكتظاظ، ومناهج تجمع بين المعرفة والمهارات والقيم. وتونس مطالبة بأن تستلهم ما يلائم هويتها الوطنية وواقعها الاجتماعي وحاجات أبنائها.
ومجلس البوغديري، وبعد كل هذا اللغط ، عليه أن يبدأ بتشخيص دقيق وشفاف لواقع مدارسنا: كم تلميذا في القسم الواحد؟ ما مستوى التكوين الأساسي والمستمر للمدرس؟ ما حجم الفوارق بين مدارس المدن والأرياف وبين الجهات؟ وما أسباب الانقطاع المبكر عن الدراسة؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل إدارية، بل هي جوهر الإصلاح. والإصلاح لا يكون بتجميل الشعارات، وإنما بقرارات واضحة، وأهداف قابلة للقياس، وجداول زمنية معلومة، وموارد مالية وبشرية مضمونة ، كما أن أفضل المناهج وأحدث التجهيزات لن تصنع تعليماً جيداً من دون معلم مؤهل، مستقر، ومقدَّر داخل مجتمعه.
فإذا كانت تونس قد نجحت، رغم عثرات منظومتها، في تخريج أطباء ومهندسين وممرضين كفاءاتهم مطلوبة في أعتى دول العالم، فإن التحدي اليوم ليس فقط الحفاظ على هذه القدرة، وإنما توسيع دائرتها ومنح كل طفل تونسي فرصة حقيقية للنجاح.
الإصلاح يبدأ من المدرسة التي يخطو إليها الطفل للمرة الأولى، حاملاً محفظته الصغيرة وأحلامه الكبيرة.
من هناك... يجب أن تبدأ الحكاية.
راشد شعور

تعليقات الفيسبوك