مع الشروق : بين الغيث النافع والكارثة المنتظرة
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/26
كلما هطلت الأمطار بغزارة يعود المشهد نفسه ليتكرر في مدننا: شوارع تتحول في لمح البصر إلى برك ممتدة وحركة مرورية تشل تماما، ومياه غاضبة تداهم المنازل والمحلات التجارية مخلفة وراءها ذعرا وخسائر.
ومع الاستبشار بالغيث النافع، يكتشف المواطنون من جديد وبمرارة حجم الهشاشة التي تعاني منها البنية التحتية وضعف حصانة مدنهم أمام زحف الماء.. لكن بمجرد أن تجف الشوارع، نعود للتعامل مع هذه الفيضانات كحادث طارئ أو «قضاء وقدر»، بينما هي في الواقع نتيجة حتمية ومتراكمة لاختيارات تخطيطية قديمة وتأجيل مزمن لحلول جذرية، وتجاهل لتغير مناخي لم يعد مجرد نظرية في أروقة الجامعات، بل أصبح واقعا يوميا نعيشه ونلمسه.
أسباب الفيضانات اليوم لم تعد خفية على أحد، فالتغيرات المناخية العالمية أفرزت نمطا متطرفا وجديدا من الأمطار يتميز بهطول كميات هائلة في حيز زمني ضيق جدا..هذا التحول المفاجئ يصنع ضغطا كبيرا على شبكات تصريف صممت منذ عقود بناء على معطيات مناخية وديمغرافية قديمة ولم تشهد -رغم تغير الواقع- تحديثا يتلاءم مع هذا «الواقع المائي» الجديد الذي يتجاوز قدرة استيعابها الحالية.
وإلى جانب العامل المناخي القاهر، تبرز أسباب بشرية وتخطيطية لا تقل خطورة، فالتوسع العمراني السريع والعشوائي الذي تم أحيانا على حساب المساحات الخضراء ومجاري المياه الطبيعية والأودية، حرم المدن من متنفسها الطبيعي وقدرتها على امتصاص الفائض من المياه ، وإلى هذا يضاف ضعف الصيانة الدورية الممنهجة الذي بتجلى في انسداد البالوعات بالأتربة والفضلات، وغياب الرقابة القبلية الصارمة، مما يجعل من أول زخة مطر اختبارا قاسيا ومحرجا لقدرة المرافق العمومية على الصمود.
كلفة الفيضانات لا تقاس فقط بمليمترات الأمطار ولا بأرقام الخسائر المباشرة، بل بما تخلفه من جراح عميقة تبدأ بالخسائر البشرية التي لا تعوض، ثم الخسائر المادية والمعنوية التي تتجلى في شلل الحياة العامة، وتعطل الدراسة والأنشطة الاقتصادية، مما يربك استقرار الأسر ويضع ضغوطا كبيرة على فرق التدخل وأجهزة الصيانة التي تجد نفسها في مواجهة أزمات كان يمكن تفاديها.
الخطر لا يأتي من اليابسة وحدها، فالبحر بدوره يطالب بنصيبه في هذه الفوضى سواء عبر حوادث الغرق المؤلمة، أو انقلاب مراكب الصيد، أو اتساع رقعة التآكل في السواحل بفعل السيول الجارفة التي تنتهي في غير موضعها، فتكتسح في طريقها البناءات، وتجرف السيارات، وتحطم أعمدة الكهرباء وشبكات الهاتف، محولة المشهد إلى منطقة منكوبة.
الحلول في الواقع ليست لغزا، فهي معروفة إن توفرت الإرادة والوعي المجتمعي؛ فالتوقي من الكوارث يبدأ بتبني سياسة «الصيانة الاستباقية» الشاملة قبل حلول موسم الأمطار لا الهرولة خلف الأعطال بعد وقوعها. كما يتطلب الأمر حرصا دائما على تحيين وتجديد خرائط تصريف المياه، ومراجعة جذرية لمخططات التهيئة العمرانية لمنع البناء العشوائي في المناطق المهددة.
الحديث عن الحلول يحيلنا مباشرة إلى دور المواطن فهو الذي لا يتردد في إلقاء الفضلات خارج الحاويات، وهو الذي لا يحترم مسافة الأمان مع الأودية والشواطئ. ومع المواطن يأتي دور المجتمع المدني الغائب عن معاضدة الجهات المعنية في نظافة الأحياء والتبليغ المبكر عن الأعطال.
الفيضانات ليست قدرا محتوما لا مفر منه، بل نتيجة يمكن تقليص تبعاتها والحد من مخاطرها بالعمل الإداري والتقني والوعي المجتمعي، فما بين «الغيث النافع» الذي نرجوه، و»الكارثة المنتظرة» التي نخشاها، مساحة واسعة ومصيرية تصنعها الجاهزية، وحسن التخطيط، والعمل الدؤوب.. قبل أن تمطر السماء مدرارا ..
راشد شعور
كلما هطلت الأمطار بغزارة يعود المشهد نفسه ليتكرر في مدننا: شوارع تتحول في لمح البصر إلى برك ممتدة وحركة مرورية تشل تماما، ومياه غاضبة تداهم المنازل والمحلات التجارية مخلفة وراءها ذعرا وخسائر.
ومع الاستبشار بالغيث النافع، يكتشف المواطنون من جديد وبمرارة حجم الهشاشة التي تعاني منها البنية التحتية وضعف حصانة مدنهم أمام زحف الماء.. لكن بمجرد أن تجف الشوارع، نعود للتعامل مع هذه الفيضانات كحادث طارئ أو «قضاء وقدر»، بينما هي في الواقع نتيجة حتمية ومتراكمة لاختيارات تخطيطية قديمة وتأجيل مزمن لحلول جذرية، وتجاهل لتغير مناخي لم يعد مجرد نظرية في أروقة الجامعات، بل أصبح واقعا يوميا نعيشه ونلمسه.
أسباب الفيضانات اليوم لم تعد خفية على أحد، فالتغيرات المناخية العالمية أفرزت نمطا متطرفا وجديدا من الأمطار يتميز بهطول كميات هائلة في حيز زمني ضيق جدا..هذا التحول المفاجئ يصنع ضغطا كبيرا على شبكات تصريف صممت منذ عقود بناء على معطيات مناخية وديمغرافية قديمة ولم تشهد -رغم تغير الواقع- تحديثا يتلاءم مع هذا «الواقع المائي» الجديد الذي يتجاوز قدرة استيعابها الحالية.
وإلى جانب العامل المناخي القاهر، تبرز أسباب بشرية وتخطيطية لا تقل خطورة، فالتوسع العمراني السريع والعشوائي الذي تم أحيانا على حساب المساحات الخضراء ومجاري المياه الطبيعية والأودية، حرم المدن من متنفسها الطبيعي وقدرتها على امتصاص الفائض من المياه ، وإلى هذا يضاف ضعف الصيانة الدورية الممنهجة الذي بتجلى في انسداد البالوعات بالأتربة والفضلات، وغياب الرقابة القبلية الصارمة، مما يجعل من أول زخة مطر اختبارا قاسيا ومحرجا لقدرة المرافق العمومية على الصمود.
كلفة الفيضانات لا تقاس فقط بمليمترات الأمطار ولا بأرقام الخسائر المباشرة، بل بما تخلفه من جراح عميقة تبدأ بالخسائر البشرية التي لا تعوض، ثم الخسائر المادية والمعنوية التي تتجلى في شلل الحياة العامة، وتعطل الدراسة والأنشطة الاقتصادية، مما يربك استقرار الأسر ويضع ضغوطا كبيرة على فرق التدخل وأجهزة الصيانة التي تجد نفسها في مواجهة أزمات كان يمكن تفاديها.
الخطر لا يأتي من اليابسة وحدها، فالبحر بدوره يطالب بنصيبه في هذه الفوضى سواء عبر حوادث الغرق المؤلمة، أو انقلاب مراكب الصيد، أو اتساع رقعة التآكل في السواحل بفعل السيول الجارفة التي تنتهي في غير موضعها، فتكتسح في طريقها البناءات، وتجرف السيارات، وتحطم أعمدة الكهرباء وشبكات الهاتف، محولة المشهد إلى منطقة منكوبة.
الحلول في الواقع ليست لغزا، فهي معروفة إن توفرت الإرادة والوعي المجتمعي؛ فالتوقي من الكوارث يبدأ بتبني سياسة «الصيانة الاستباقية» الشاملة قبل حلول موسم الأمطار لا الهرولة خلف الأعطال بعد وقوعها. كما يتطلب الأمر حرصا دائما على تحيين وتجديد خرائط تصريف المياه، ومراجعة جذرية لمخططات التهيئة العمرانية لمنع البناء العشوائي في المناطق المهددة.
الحديث عن الحلول يحيلنا مباشرة إلى دور المواطن فهو الذي لا يتردد في إلقاء الفضلات خارج الحاويات، وهو الذي لا يحترم مسافة الأمان مع الأودية والشواطئ. ومع المواطن يأتي دور المجتمع المدني الغائب عن معاضدة الجهات المعنية في نظافة الأحياء والتبليغ المبكر عن الأعطال.
الفيضانات ليست قدرا محتوما لا مفر منه، بل نتيجة يمكن تقليص تبعاتها والحد من مخاطرها بالعمل الإداري والتقني والوعي المجتمعي، فما بين «الغيث النافع» الذي نرجوه، و»الكارثة المنتظرة» التي نخشاها، مساحة واسعة ومصيرية تصنعها الجاهزية، وحسن التخطيط، والعمل الدؤوب.. قبل أن تمطر السماء مدرارا ..
راشد شعور