أيام قرطاج الموسيقية تفتتح دورتها الـ11.. حين تصبح الموسيقى مساحة للذاكرة والإنسان

أيام قرطاج الموسيقية تفتتح دورتها الـ11.. حين تصبح الموسيقى مساحة للذاكرة والإنسان

تاريخ النشر : 15:38 - 2026/10/04

افتتحت مساء السبت 3 أكتوبر 2026 فعاليات الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية بقاعة الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، في عرض اختار أن يضع الإنسان والذاكرة الموسيقية في قلب السهرة، بعيدا عن الاستعراض المفرط والتكلف. افتتاح بسيط في أدواته، لكنه حمل أكثر من رسالة، ليس فقط من خلال الأسماء والأعمال التي استحضرها، وإنما أيضا من خلال حرصه على أن تكون الموسيقى متاحة للجميع، بما في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة.

منذ الدقائق الأولى، خرجت الموسيقى من فضاء العرض التقليدي. فقد انطلقت الإيقاعات الشعبية التونسية ونغمة المزود من المدرج المخصص للجمهور، قبل أن تتقدم تدريجيا في اتجاه ركح قاعة الأوبرا. وكانت البداية أقرب إلى دعوة للجمهور للمشاركة في صناعة لحظة الافتتاح، بدل الاكتفاء بمشاهدة عرض ينطلق من الخشبة.

ومن هذه الأجواء الشعبية، استعاد العرض جزءا من الذاكرة الموسيقية التونسية من خلال مجموعة من أغاني الفنان الشعبي الراحل صالح الفرزيط، في لحظة حملت معها ذاكرة جيل كامل. وقد أعاد الفنان نصر الدين الشبلي تقديم هذه الأغاني، وهو الذي سبق أن توج بعرض «فلاقة» في دورة سابقة من أيام قرطاج الموسيقية، ليعود اليوم إلى المهرجان من بوابة الافتتاح، في مسار يربط بين تجربة الأمس وحضور اليوم.

لم يكن استحضار الفرزيط مجرد اختيار فني لأغان معروفة، بل بدا كأنه محاولة لإعادة الأصوات الغائبة إلى فضاء لا تزال فيه ذاكرتها حاضرة. فالموسيقى الشعبية، في هذا السياق، لم تقدم باعتبارها مادة للحنين فقط، وإنما باعتبارها جزءا من الذاكرة الجماعية التي تتجدد كلما أعيد أداؤها أمام جمهور جديد.
حين تصبح الحكاية الشخصية جزءا من الموسيقى

بعد الفرزيط، أخذ العرض منحى أكثر إنسانية مع الفنان أحمد ليتيم، الذي استحضر علاقته بالموسيقى من خلال والده، الذي رافق مسيرته منذ بداياتها. تحولت الحكاية الشخصية إلى جزء من العرض، قبل أن يؤدي «الليل يا ليلى»، في لحظة امتزج فيها الأداء باستعادة علاقة عائلية تركت أثرا في مسيرته الفنية.

وهنا بدا واضحا أن العرض لم يكن يبحث فقط عن تقديم مجموعة من الأغاني، بل عن القصص التي تقف خلفها، وعن الأشخاص الذين ساهموا في صناعة تجارب الفنانين، سواء كانوا على الركح أو ظلوا خلفه.

ثم جاء غيث الجويني على آلة الهارمونيكا، بمرافقة سامي بن سعيد على البيانو، لاستحضار روح الفنان الراحل ياسر الجرادي من خلال أغنيته «ديما». وقد اكتسبت هذه الفقرة بعدا خاصا بالنظر إلى علاقة الصداقة التي جمعت سامي بن سعيد بياسر الجرادي منذ الطفولة، فكان الأداء أقرب إلى تحية صديق لصديق، وإلى استعادة ذكرى شخصية من خلال الموسيقى.
موسيقى لا تستثني أحدا

لكن الجانب الإنساني في افتتاح الدورة لم يتوقف عند استحضار الراحلين والقصص الشخصية للفنانين، بل كان حاضرا أيضا في علاقة العرض بجمهوره.

فقد حضرت عدّة جمعيات تعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة، وكان من بين الحضور أشخاص من ذوي الإعاقة البصرية، الذين تم توفير سماعات خاصة لهم حتى يتمكنوا من متابعة مختلف تفاصيل العرض، في محاولة لجعل التجربة الموسيقية متاحة لهم بكل عناصرها.

كما حضرت مترجمة بلغة الإشارة لمرافقة الأشخاص غير الناطقين وتمكينهم من متابعة فقرات الحفل. وقد منحت هذه المبادرة للافتتاح بعدا يتجاوز الجانب الفني، لتطرح فكرة أساسية مفادها أن الثقافة والموسيقى ليستا امتيازا لفئة دون أخرى، وأن قاعة العرض يمكن أن تكون فضاء يلتقي فيه الجميع مهما اختلفت قدراتهم.

وكان لهذا الحضور وقع خاص على طبيعة السهرة، لأن الجمهور لم يكن مجرد متلقّ للعرض، بل كان جزءا من الرسالة التي أراد الافتتاح تمريرها. فأن تكون الموسيقى متاحة لمن لا يستطيع رؤيتها بالطريقة المعتادة، وأن تكون تفاصيل العرض قابلة للمتابعة لمن لا يستطيع سماعها بالطريقة ذاتها، يعني أن مفهوم الجمهور نفسه يصبح أكثر اتساعا.

محمد القرفي.. ذاكرة أخرى في ختام الافتتاح

واختتم العرض بتكريم الموسيقار محمد القرفي، من خلال استحضار عرضه «زخارف عربية» الذي يعود إلى سنة 1993. وجاءت هذه الفقرة لتكمل خط الذاكرة الذي رافق السهرة منذ بدايتها: صالح الفرزيط، ثم ياسر الجرادي، وصولا إلى محمد القرفي، أسماء غابت عن الركح، لكنها ظلت حاضرة عبر أعمالها.

وبذلك لم يكن تكريم القرفي مجرد محطة بروتوكولية في نهاية الحفل، بل بدا امتدادا لفكرة الافتتاح نفسها: استعادة ما تركه السابقون للأجيال اللاحقة، وإعادة قراءة تلك التجارب من خلال أصوات وعازفين وفنانين من الحاضر.

بساطة جميلة ونسق بطيء

على مستوى البناء الفني، اتسم العرض ببساطة واضحة، فلم يكن مثقلا بالديكور أو المؤثرات أو الاستعراضات الزائدة، وهو ما خدم في جانب كبير منه الفكرة الأساسية للسهرة، أي العودة إلى الموسيقى والذاكرة والإنسان.

لكن هذه البساطة رافقها، في بعض مراحل العرض، بطء في النسق، خاصة خلال الانتقال بين الفقرات، وهو ما جعل الإيقاع العام للسهرة يفقد شيئا من زخمه. وكان يمكن لمزيد من التكثيف والتنويع في الانتقالات أن يمنح العرض حركية أكبر، خصوصا أن قيمة الأسماء والقصص التي استحضرها كانت قادرة على حمل بناء أكثر ديناميكية.

ومع ذلك، فإن الافتتاح نجح في تقديم صورة مختلفة عن العلاقة بين الموسيقى والجمهور. فمن المزود الذي خرج من المدرجات إلى الركح، إلى أغاني الفرزيط، وحكاية أحمد ليتيم مع والده، وذكرى ياسر الجرادي، وتكريم محمد القرفي، وصولا إلى حضور الأشخاص ذوي الإعاقة وتوفير وسائل تمكّنهم من متابعة تفاصيل العرض، بدت الموسيقى في هذه السهرة أكثر من مجرد فرجة.

كانت الموسيقى هنا ذاكرة وحكاية ولقاء ومساحة مفتوحة للجميع. وربما كانت هذه هي أجمل رسائل افتتاح الدورة الحادية عشرة: أن قيمة العرض لا تقاس فقط بما يحدث فوق الركح، وإنما أيضا بمن يجد مكانه فيه، ومن يستطيع أن يتقاسم اللحظة نفسها مع الآخرين.
وفي الجزء الثاني من سهرة الافتتاح، انتقلت أيام قرطاج الموسيقية من أجواء الذاكرة والتكريم إلى إيقاعات السطمبالي، من خلال عرض «دندري» الذي مثّل أول العروض الموسيقية المبرمجة إثر فقرات الافتتاح. وقدّم العرض هذا اللون الموسيقي المتجذّر في الموروث التونسي، في صيغة تجمع بين الخصوصية التقليدية والتعبيرات الموسيقية المعاصرة، مستحضرا أبعاد السطمبالي الإيقاعية والروحية وصلته بالذاكرة الإفريقية في تونس. وشكّل هذا الاختيار انتقالا فنيا من الأغاني التي استحضرت تجارب وأسماء من الذاكرة الموسيقية التونسية إلى فضاء موسيقي مختلف، يستند إلى الإيقاع الجماعي والبعد التراثي، ويؤكد انفتاح التظاهرة على أنماط موسيقية متعددة.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

يعود الفنان فضل شاكر إلى الحفلات الجماهيرية بعد غياب طويل، بأمسية تُقام يوم الخميس 22 تشرين الأول
14:58 - 2026/10/04
افتتحت منذ قليل في شارع الحبيب بورقيبة بمدينة توزر الدورة الثانية لملتقى مسرح الجنوب الذي ينظمه م
19:56 - 2026/10/03
نعت وزارة الشؤون الثقافية، ببالغ الحزن والأسى، الشاعر والمفكّر علي السماوي الذي وافته المنيّة الي
17:22 - 2026/10/03
نعت بلدية تونس اليوم السبت 3 أكتوبر 2026، الممثل القدير وأحد روّاد فرقة مدينة تونس للمسرح الفنان
12:20 - 2026/10/03
تونسيّةُ ابن خلدون حقيقةٌ تاريخية لا تلغي عالمية فكره، بل تؤكد أن تونس أنجبت أحد كبار العقول التي
07:00 - 2026/10/03
تُعدّ أغنية «الناقوز تكلّم» من الأغاني الشعبية المرتبطة بالتراث الغنائي لجهة الكاف والشمال الغربي
07:00 - 2026/10/03
تعيش هذه الأيام مدينة سيدي رابح من معتمدية سيدي يوسف من ولاية الكاف على وقع الدورة الخامسة لمهرجا
07:00 - 2026/10/03
في زمنٍ أضحت فيه الساحة الموسيقية تعاني من هُزالٍ نغميّ وطغيانٍ للجماليات السريعة المستهلكة، يقف
07:00 - 2026/10/03