مع الشروق :مستنقع إيران وكابوس الخروج

مع الشروق :مستنقع إيران وكابوس الخروج

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/24

 لم تكن حسابات كلٍّ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو عند اطلاق العدوان على إيران معقّدة أو متشائمة، بل على العكس تمامًا، ساد الاعتقاد داخل دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب أن الحرب ستكون قصيرة، خاطفة، وحاسمة.
فبناء على  تفوّق عسكري وتكنولوجي ساحق، جهاز استخباراتي متقدّم، وحالة تململ داخلي في إيران، بدت كل الظروف كلها كفيلة بإسقاط النظام الإيراني أو على الأقل شلّ قدرته خلال أيام أو أسابيع قليلة.
لكن، وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع من المواجهة، تبيّن أن تلك الحسابات لم تكن فقط خاطئة، بل ساذجة إلى حدّ كبير، فبدل أن تنهار إيران، أظهرت قدرة عالية على الصمود والمناورة، بل وانتقلت إلى موقع الهجوم، موجهة ضربات موجعة وقاصمة للكيان الصهيوني، ومستخدمة أدوات ضغط استراتيجية قلبت موازين اللعبة.
أحد أبرز هذه الأدوات كان التحكم في مضيق "هرمز"، الشريان الحيوي للطاقة العالمية، فإغلاق المضيق أو حتى التهديد به لم يكن مجرد خطوة عسكرية، بل ورقة ضغط اقتصادية عالمية، أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، وأربكت الأسواق الدولية ، و فجأة لم تعد الحرب مسألة إقليمية، بل تحولت إلى أزمة عالمية تهدد الاقتصاد الدولي برمّته.
في الإطار ذاته، اعتمدت إيران سياسة "العين بالعين"، مستهدفة المصالح الأمريكية في الخليج بشكل مدروس، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مباشرة، هذه الاستراتيجية الذكية وضعت الولايات المتحدة في موقف حرج: الرد يعني التصعيد، وعدم الرد يعني فقدان الهيبة، وهنا بدأت ملامح المأزق تظهر بوضوح.
أما الاحتلال، الذي كان يعوّل على ضربات سريعة تشلّ القدرات الإيرانية، فقد وجد نفسه تحت وابل من الهجمات، بعضها غير مسبوق من حيث الدقة والتأثير، ومع مرور الوقت، بدأت صورة "الجيش الذي لا يُقهر" تتآكل، ومعها الثقة في القدرة على حسم المعركة بسرعة.
في هذا السياق، بدأ دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يدركان أن الحرب التي دخلاها بثقة مفرطة تتحول تدريجيًا إلى مستنقع، ومع تعقّد الوضع، لجآ معا إلى طلب الدعم من القوى الكبرى، وخاصة دول حلف شمال الأطلسي، لكن المفاجأة كانت في التردد الواضح من هذه الدول، التي بدت غير مستعدة للانخراط في حرب قد تتوسع بشكل كارثي.
هذا التردد ليس مفاجئًا تمامًا، فالدول الأوروبية، التي عانت من أزمات اقتصادية متتالية، تدرك أن أي تصعيد إضافي سيؤدي إلى ارتفاع أكبر في أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط على اقتصاداتها الهشة، كما أن الدخول في حرب مع إيران، بما تملكه من شبكة تحالفات إقليمية وقدرات غير تقليدية، ليس خيارًا بسيطًا أو مضمون النتائج.
والمفارقة أن دونالد ترامب، الذي سبق أن وصف حلفاءه في الناتو بالجبناء، يجد نفسه اليوم في موقع من يطلب مساعدتهم للخروج من مأزق ساهم في صناعته، هذا التحول يعكس حجم الأزمة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضًا على مستوى القيادة والتقدير الاستراتيجي.
لقد أثبتت هذه الحرب أن إيران ليست دولة يمكن التعامل معها بمنطق "الضربة القاضية السريعة"، فهي ليست فنزويلا أو أي دولة ضعيفة يمكن إسقاطها عبر ضغط عسكري واقتصادي محدود، بل هي قوة إقليمية تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراعات، وقدرة على امتصاص الضربات، والرد بأساليب غير تقليدية.
ومع استمرار الحرب، تتزايد كلفتها بشكل يومي، ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الاقتصاد العالمي، الأسواق المالية تعيش حالة من التذبذب، وسلاسل الإمداد مهددة، وفي الداخل الأمريكي والصهيوني، بدأت الأصوات تتعالى، متسائلة عن جدوى هذه الحرب، وعن غياب استراتيجية خروج واضحة.
السؤال الأهم الآن هو كيف يمكن لترامب الخروج من هذا المأزق؟ الخيارات ليست سهلة، فالتصعيد أكثر قد يؤدي إلى حرب شاملة لا يمكن السيطرة على تداعياتها، خاصة إذا دخلت أطراف أخرى على الخط، والتراجع من جهة أخرى، قد يُفسَّر كضعف، ويؤثر على صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى. أما الخيار الثالث، وهو التفاوض، فيتطلب تقديم تنازلات، وهو ما قد يكون صعبًا سياسيًا في ظل الخطاب المتشدد الذي سبق الحرب.
في كل الأحوال، يبدو أن "النزهة" التي تخيّلها صانعو القرار  في أمريكا والكيان الصهيوني تحولت إلى كابوس استراتيجي، فمستنقع إيران ليس فقط اختبارًا للقوة العسكرية، بل امتحان حقيقي للقدرة على التفكير الاستراتيجي، وفهم تعقيدات المنطقة، وحدود القوة في عالم متعدد الأقطاب.
بدرالدين السياري

تعليقات الفيسبوك