مع الشروق : مذكرة التفاهم...في خبر كان؟

مع الشروق : مذكرة التفاهم...في خبر كان؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/09

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفا جديدا بالغ الخطورة بعد إعلان القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ جولة واسعة من الضربات الجوية استهدفت أكثر من ثمانين موقعا عسكريا داخل إيران، شملت أنظمة الدفاع الجوي، وشبكات القيادة والسيطرة، ومواقع الرادارات الساحلية، وقدرات الصواريخ المضادة للسفن، إضافة إلى عشرات الزوارق التابعة للحرس الثوري في محيط مضيق هرمز، وذلك ردا على ما قالت إنه الهجمات التي استهدفت سفنا تجارية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتؤكد واشنطن أن العملية تأتي في إطار "الرد الفوري" على ما اعتبرته انتهاكا لاتفاق وقف إطلاق النار وتهديدا لحرية الملاحة الدولية، بينما تنظر طهران إلى الضربات باعتبارها عدوانا مباشرا وانتهاكا للتفاهمات القائمة.
هذا التطور لا يطرح فقط سؤالا حول حجم التصعيد العسكري، بل يثير تساؤلا أكثر عمقا حول بقاء مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران قائمة عمليا، أو دخولها رسميا مرحلة الانهيار التدريجي.
من الواضح أن الاتفاق الذي أوقف المواجهة المفتوحة بين الطرفين كان يقوم على معادلة دقيقة قوامها ضبط النفس وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، غير أن هذه المعادلة أصبحت اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى، فحين تتحول الاتهامات المتبادلة إلى ضربات عسكرية واسعة النطاق، يصبح الحديث عن تفاهم مستقر أمرا بالغ الصعوبة، حتى وإن لم يُعلن أي من الطرفين رسميا إنهاء الاتفاق. اللافت في العملية الأمريكية أنها لم تقتصر على استهداف مواقع محدودة، بل شملت بنية عسكرية متكاملة مرتبطة بقدرات إيران على التحكم في مضيق هرمز، وهو ما يعكس رغبة واشنطن في توجيه رسالة ردع استراتيجية تتجاوز مجرد الرد التكتيكي، فالولايات المتحدة تدرك أن مضيق هرمز يمثل شريانا حيويا للتجارة العالمية والطاقة، وأن أي تهديد للملاحة فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط، ولذلك تحاول تأكيد أنها لن تسمح بتحويل هذا الممر إلى ورقة ضغط إيرانية.
لكن في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة لتقديم تنازلات مجانية، فهي ترى أن الضغوط العسكرية والاقتصادية الأمريكية تهدف إلى فرض معادلات جديدة بالقوة، وهو ما يدفعها إلى التشديد على أن الرد سيظل خيارا قائما إذا استمرت واشنطن في استهداف أراضيها، وبهذا المعنى، فإن المنطقة تقف أمام معادلة شديدة التعقيد، فالولايات المتحدة تريد فرض قواعد ردع جديدة، وإيران تريد إثبات أنها ما زالت قادرة على التأثير في أمن الخليج والممرات البحرية.
تتحدث البيانات الأمريكية عن "محاسبة إيران" إذا لم تلتزم بالتفاهمات، لكنها لا تعلن انتهاء الاتفاق بصورة رسمية، وهو ما يترك الباب مواربا أمام العودة إلى المسار الدبلوماسي إذا توافرت الظروف المناسبة، أما طهران، فهي بدورها تدرك أن مواجهة عسكرية مفتوحة مع الولايات المتحدة ستكون باهظة الكلفة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تظهر بمظهر الطرف الذي يتراجع تحت الضغط.
لذلك، فإن ما يجري اليوم قد لا يكون نهاية نهائية لمذكرة التفاهم، بقدر ما هو انتقال بها إلى مرحلة من الاختبار القاسي، حيث أصبحت البنود تُقاس بميزان القوة أكثر مما تُقاس بالنصوص السياسية، وإذا استمرت الضربات والردود المتبادلة، فإن الاتفاق سيفقد قيمته العملية حتى وإن بقي قائما على الورق.
لا شكّ أن الشرق الأوسط يبدو مقبلا على مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الاشتباك بين واشنطن وطهران، فالتفاهمات التي صمدت لفترة تواجه اليوم اختبارا غير مسبوق، والرسائل العسكرية أصبحت تتقدم على الرسائل الدبلوماسية، ويبقى السؤال الذي يشغل العواصم الإقليمية والدولية قائما حول مدى ما يشكّله هذا التصعيد من بداية انهيار كامل لمسار التهدئة، أو أنه مجرد جولة ضغط متبادل تسبق العودة إلى طاولة المفاوضات.
هاشم بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك