مع الشروق : قليل من «الحياء الرقمي» يرحمكم الله !
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/05
يُروى أن جيلا عاش في القرن الواحد والعشرين لم يكن آباؤه يعرفون «تيك توك» ولا «إنستغرام» و»الفايسبوك» ،فلفرط تخلفهم ، كانوا يأكلون دون تصوير، ويضحكون دون بث مباشر، ويتشاجرون ثم يتصالحون من دون جمهور يصفق ويعلق ، وكانت أسرار البيوت، لكثرة جهلهم، تبقى داخل البيوت فلا تتحول خصومة عائلية وإلى «ترند»، مثير لجمع « الجامات »، و»الجامات» عندهم هي الإعجابات.
وهم على حالتهم البائسة هذه ،شاءت الأقدار أن تأتي منصات التواصل ومعها يأتي صنف جديد من النجوم والمشاهير لا يحتاج إلى علم أو ثقافة أو موهبة، يكفي فقط هاتف جوال وكثير من «قلة الحياء» ولسان منفلت واستعداد للتفريط في الخصوصية.. ثم تتكفل المشاهدات و»الجامات « بتحويل التفاهة إلى مورد رزق.
نعم في ذاك الزمان ،بعض أصحاب المحتوى، وبوقاحة، صاروا يطاردون الانتباه ويصطادونه صيدا على حساب كل شيء، واكتشف آخرون وأخريات أن الشهرة قد تمر من أبواب كان الحياء يمنع الاقتراب منها تراقبهن مراهقات لم يكتمل نضجهن، فيبدو لهن أن الشهرة مهنة، وأن الجرأة وحدها تكفي لفتح أبواب النجومية والمال.
ولأن هذا السوق الجديد وقتها لا يعرف حدودا، تمددت التفاهة من الوجوه إلى الألسنة ، فأصبحت الشتيمة صراحة، والبذاءة جرأة، والصراخ قوة شخصية ، ثم امتدت العدوى إلى السياسة، فصار الخصام مادة للفرجة، والتشهير نقدا، والسباب موقفا..ولبعض «الكرونيكورات « نصيب !.
وفي ذاك الزمن الغابر انتعشت المطاعم، ولم يعد يكفي أن يكون الفضاء نظيفا والأكل فيه لذيذ، بل المهم صاحب صفحة منتشرة يصور أطباق وسخة غارقة في الزيت «المحروق»، تقدم كأنها فتح غذائي عظيم، بينما تتوسل المعدة في صمت ألا تصدق ما ينشر على تلك الصفحات التي تمرر بعض القذارة ب»كسكروت» وبعض الدنانير .
ففي ذاك الزمن البعيد صار كل شيء قابلا للتحويل إلى محتوى: الجسد، والشتيمة، والخصومة، الأكل، وحتى المراهقة، والغريب أن الناس وقتها كانوا يتفرجون ويتفاعلون ويكتبون ما يحلو لهم بالدارجة، وبعربية فصحى يقتلون بها أبا الأسود الدؤلي في اليوم ألف مرة!
أخطر ما في تلك الحقبة من الزمن أن الصغار والمراهقين والمراهقات انخرطوا في مشاريع المنصات وباتوا يتفننون في البذاءة ويتبجحون بالسيجارة والزطلة وكأس النبيذ في غفلة من العائلة او جهارا ويهددون بالهرب ان تدخلت العائلة للمنع او الردع او حتى المراقبة فقط.
سادتي الكرام الإنصاف يقتضي منا اليوم أن نقول إن هذه المنصات نفسها ليست شرا مطلقا، فهناك من استغلها لنشر علم نافع وفن جميل ودعوة إلى الخير، وأثبت أن الشهرة ممكنة من دون تفريط في الكرامة، غير أن هؤلاء صوتهم ضاع ولو لحين بين ضجيج تلك التفاهة المقززة.
كان المطلوب من ذاك الجيل ليس هجر منصات التواصل، بل إعادة تأهيل الذوق العام بتربية الأبناء على أن الخصوصية لا تنشر على قارعة الطريق، وأن ديننا طلب منا الستر والاحترام والتعفف والتسامي.
وكان على المؤسسات التعليمية والإعلامية في ذاك الزمن ان تلعب دورا حاسما في ترسيخ قيم «الحياء الرقمي»، وتعريف الناشئة بأن الكرامة لا تقاس بالمتابعين، وأن اللغة الفصحى أغنى من قاموس الشوارع، وأن الصمت أحيانا أشد بلاغة من الصراخ المدروس لجلب الانتباه.
بقى ان نشير ونحن نقلب صفحات التاريخ ان الروايات الحديثة تقول إن ذاك الجيل القديم، لو عاد فرأى ما صار إليه الحياء في زمننا، لبكى على ذاك الزمن وعلى ذاك الجيل!
راشد شعور
يُروى أن جيلا عاش في القرن الواحد والعشرين لم يكن آباؤه يعرفون «تيك توك» ولا «إنستغرام» و»الفايسبوك» ،فلفرط تخلفهم ، كانوا يأكلون دون تصوير، ويضحكون دون بث مباشر، ويتشاجرون ثم يتصالحون من دون جمهور يصفق ويعلق ، وكانت أسرار البيوت، لكثرة جهلهم، تبقى داخل البيوت فلا تتحول خصومة عائلية وإلى «ترند»، مثير لجمع « الجامات »، و»الجامات» عندهم هي الإعجابات.
وهم على حالتهم البائسة هذه ،شاءت الأقدار أن تأتي منصات التواصل ومعها يأتي صنف جديد من النجوم والمشاهير لا يحتاج إلى علم أو ثقافة أو موهبة، يكفي فقط هاتف جوال وكثير من «قلة الحياء» ولسان منفلت واستعداد للتفريط في الخصوصية.. ثم تتكفل المشاهدات و»الجامات « بتحويل التفاهة إلى مورد رزق.
نعم في ذاك الزمان ،بعض أصحاب المحتوى، وبوقاحة، صاروا يطاردون الانتباه ويصطادونه صيدا على حساب كل شيء، واكتشف آخرون وأخريات أن الشهرة قد تمر من أبواب كان الحياء يمنع الاقتراب منها تراقبهن مراهقات لم يكتمل نضجهن، فيبدو لهن أن الشهرة مهنة، وأن الجرأة وحدها تكفي لفتح أبواب النجومية والمال.
ولأن هذا السوق الجديد وقتها لا يعرف حدودا، تمددت التفاهة من الوجوه إلى الألسنة ، فأصبحت الشتيمة صراحة، والبذاءة جرأة، والصراخ قوة شخصية ، ثم امتدت العدوى إلى السياسة، فصار الخصام مادة للفرجة، والتشهير نقدا، والسباب موقفا..ولبعض «الكرونيكورات « نصيب !.
وفي ذاك الزمن الغابر انتعشت المطاعم، ولم يعد يكفي أن يكون الفضاء نظيفا والأكل فيه لذيذ، بل المهم صاحب صفحة منتشرة يصور أطباق وسخة غارقة في الزيت «المحروق»، تقدم كأنها فتح غذائي عظيم، بينما تتوسل المعدة في صمت ألا تصدق ما ينشر على تلك الصفحات التي تمرر بعض القذارة ب»كسكروت» وبعض الدنانير .
ففي ذاك الزمن البعيد صار كل شيء قابلا للتحويل إلى محتوى: الجسد، والشتيمة، والخصومة، الأكل، وحتى المراهقة، والغريب أن الناس وقتها كانوا يتفرجون ويتفاعلون ويكتبون ما يحلو لهم بالدارجة، وبعربية فصحى يقتلون بها أبا الأسود الدؤلي في اليوم ألف مرة!
أخطر ما في تلك الحقبة من الزمن أن الصغار والمراهقين والمراهقات انخرطوا في مشاريع المنصات وباتوا يتفننون في البذاءة ويتبجحون بالسيجارة والزطلة وكأس النبيذ في غفلة من العائلة او جهارا ويهددون بالهرب ان تدخلت العائلة للمنع او الردع او حتى المراقبة فقط.
سادتي الكرام الإنصاف يقتضي منا اليوم أن نقول إن هذه المنصات نفسها ليست شرا مطلقا، فهناك من استغلها لنشر علم نافع وفن جميل ودعوة إلى الخير، وأثبت أن الشهرة ممكنة من دون تفريط في الكرامة، غير أن هؤلاء صوتهم ضاع ولو لحين بين ضجيج تلك التفاهة المقززة.
كان المطلوب من ذاك الجيل ليس هجر منصات التواصل، بل إعادة تأهيل الذوق العام بتربية الأبناء على أن الخصوصية لا تنشر على قارعة الطريق، وأن ديننا طلب منا الستر والاحترام والتعفف والتسامي.
وكان على المؤسسات التعليمية والإعلامية في ذاك الزمن ان تلعب دورا حاسما في ترسيخ قيم «الحياء الرقمي»، وتعريف الناشئة بأن الكرامة لا تقاس بالمتابعين، وأن اللغة الفصحى أغنى من قاموس الشوارع، وأن الصمت أحيانا أشد بلاغة من الصراخ المدروس لجلب الانتباه.
بقى ان نشير ونحن نقلب صفحات التاريخ ان الروايات الحديثة تقول إن ذاك الجيل القديم، لو عاد فرأى ما صار إليه الحياء في زمننا، لبكى على ذاك الزمن وعلى ذاك الجيل!
راشد شعور