مع الشروق : سماسرة النّجاح والغشّ المنظّم 

مع الشروق : سماسرة النّجاح والغشّ المنظّم 

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/18

بدأت رائحة الامتحانات الوطنية تفوح لدى الأسر، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، وفي مراكز الدروس الخصوصية، وتصاعدت وتيرة التأهّب والاستنفار لدى الأولياء والتلاميذ في جميع الولايات دون استثناء. حتى إن هذه الفترة من كل سنة، السابقة لامتحانات البكالوريا ودخول المعاهد والإعداديات النموذجية، باتت تفرض تخصيص ميزانية لتأمين الدروس الخصوصية بأسعار خيالية، خاصة في المواد ذات الضوارب العالية.
وفي الوقت نفسه، يفتح هاجس النجاح لدى الطرفين، الأولياء والتلاميذ، المجال للقبول بأي عروض من شأنها أن تسهّل النجاح والتميّز. كما نجد أطرافًا تتحيّن الفرص وتحولها إلى سوق تجارية تتوخّى كل الطرق للإقناع بقدرتها على تخطّي عقبة الامتحانات الوطنية الحاسمة.
ومن داخل هذا الحرص على النجاح، يشهد مجتمعنا في السنوات الأخيرة تحوّلات خطيرة، من خلال استكراش فئة من الأساتذة وفرض أسعار خيالية لا يمكن للأسر رفضها لأجل الفوز بحصاد السنة، ولجوء فئة من التلاميذ إلى الغش لضمان النجاح مهما كانت قدراتهم محدودة. كما برز متصيّدون للفرص يعملون على تنشيط سوق للغش شهدت في السنوات الأخيرة تحوّلًا لافتًا من ممارسة فردية معزولة إلى نشاط منظّم تقوده شبكات مختصة في ترويج أجهزة إلكترونية ناقلة للمعلومات عن بعد.
وفي هذا الإطار، تم مؤخرًا تفكيك شبكتين تنشطان في بيع وسائل الغش في وقت وجيز، حيث نجحت الوحدات الأمنية في الإطاحة بشبكة أولى تعمل على ترويج سماعات خفيّة وأجهزة اتصال دقيقة يصعب التفطن إليها داخل قاعات الامتحان، مع إيقاف عدد من المتورّطين، من بينهم عامل في مجال صيانة الهواتف، إلى جانب الاشتباه في تورّط أستاذة جامعية.
كما تمّ، في عملية ثانية، إحباط محاولة ترويج أجهزة مماثلة وحجز معدات إلكترونية، مع إيقاف عدد من المشتبه بهم، وذلك في إطار عمليات استباقية تستهدف التصدي لهذه الظاهرة قبل وصولها إلى المؤسسات التربوية.
ذلك أن شبكات التواصل أصبحت تسوّق علنًا لهذه الأجهزة، بما يؤكد أن الغش لم يعد مجرد تجاوز فردي، بل تحوّل إلى جريمة منظمة ومشتركة، انخرط فيها حتى بعض الأولياء بدافع الرغبة في النجاح، وكذلك التلميذ، وبعض الأساتذة من خريجي الجامعات. وأصبحت هذه الممارسات تُصنّف ضمن الجرائم الإلكترونية الموجبة للعقاب.
وإن كانت الإطاحة مؤخرًا بالشبكتين مطمئنة، ونحن على أبواب البكالوريا، وتعكس وجود يقظة أمنية عالية للتصدي لسماسرة النجاح وقطع الطريق عليهم، فإن هذه الجهود لا يمكن أن تقضي على الظاهرة بمفردها، في ظل انتشار ثقافة النجاح السهل، ووجود أسباب أعمق تدفع التلاميذ إلى الغش.
ويأتي في مقدمة هذه الأسباب الضغط الكبير المرتبط بطبيعة الامتحانات الوطنية، وخاصة امتحان البكالوريا الذي ما يزال يُنظر إليه كمنعرج حاسم في المسار الدراسي والمهني، ما يجعل بعض التلاميذ يلجؤون إلى كل الوسائل الممكنة لضمان النجاح.
كما يساهم انتشار الدروس الخصوصية في إضعاف ثقة التلميذ فيما يتلقاه داخل القسم، حيث ترسّخ لدى عدد منهم شعور بأن النجاح لا يتحقق إلا خارج أسوار المدرسة، وهو ما يفتح الباب أمام استغلال هذا الوضع واستنزاف العائلات.
ومن الضروري الإشارة هنا إلى العامل النفسي، إذ تُطرح أسماء أساتذة وعناوين مراكز دروس خصوصية يتداولها التلاميذ فيما بينهم وكذلك الأولياء، حيث يقترن النجاح بمن اشتهر في صفوف التلاميذ بمهاراته، أو بمن ينجح في التسويق لنفسه من خلال استغلال الفضاء الرقمي والإشهار لنتائج تلاميذه الناجحين، مما يغري باستدراج الأولياء والتلاميذ، لتنطلق الحجوزات منذ الصائفة وقبل انطلاق الموسم الدراسي.
كما لا يمكن إغفال تأثير التطور التكنولوجي، الذي أتاح وسائل متقدمة وصغيرة الحجم يصعب كشفها، مما جعل عملية الغش أكثر تعقيدًا، ووضع البكالوريا خاصة في سباق دائم مع هذه التقنيات التي باتت تُخصص لها ميزانيات سنوية للفوز بمقعد في الجامعة.
غير أن التصدي للغش لا يكون فقط بتعقّب هذه الشبكات، بل يتطلّب التأكيد مرة أخرى على إصلاحات تربوية أعمق تعيد الاعتبار لقيمة التعليم وتكافؤ الفرص، وتجعل التلميذ يكتفي بما يتحصل عليه داخل القسم بدل البحث عن بدائل أخرى، بما يغنيه عن الدروس الخصوصية ويجنّبه في الوقت نفسه فقدان الثقة في نفسه واللجوء إلى وسائل غش إلكترونية.
إن التصدي لسماسرة النجاح يحتاج إلى التسريع بالإصلاح التربوي، وخلق منظومة تربوية مرغّبة وغير منفّرة، واستعادة مجد التعليم العمومي بما يساهم في تكوين محترم للتلميذ، يمنعه من اللجوء إلى الدروس الخصوصية أو إلى باعة النجاح. وتبقى المهمة في هذا المجال إعادة الاعتبار للتعليم ومفاهيم النجاح القائمة على الاجتهاد والبذل والعطاء والجهد الفردي، لا على التواكل والتحيّل والغش الذي بات هاجسًا مشتركًا حتى لدى بعض الأسر، إن لم نقل الأغلبية.
وحيدة المي 

تعليقات الفيسبوك