مع الشروق : احذروا الفتنة الكبرى... والحريق الكبير !

مع الشروق : احذروا الفتنة الكبرى... والحريق الكبير !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/07

عندما هندس الغرب وخطّط لما أسماه مشروع «الشرق الأوسط الكبير أو الجديد» فإنه حدّد جملة من الأدوات والوسائل الموصلة إلى هذا الهدف... كلمة السرّ تبلورت مع الزمن ومع اضافات واحتمالات منظّري الاستعمار وأخذت شكل «التقسيم وإعادة التشكيل».. وصفة تعتمد أساسا على ما أسموه «الفوضى الخلاقة» التي ستكون الأداة المثلى لنشر الغموض  ولتعميم ضعف الدول وإرباك مسؤوليها حتى يسهل تمرير المؤامرة الكبرى.
«الفوضى الخلاقة» تعتمد نشر الفتن بأنواعها وصنوفها. مرّة تكون طائفية ومرة مذهبية ومرة عرقية.. أي أنها تحرّك في الشعوب والمجتمعات كل النعرات وتتخذها وقودا لاحراق النسيج المجتمعي لأية دولة حتى يسهل إضعافها وتدجينها واخضاعها لمشرط «التقسيم وإعادة التشكيل».. كما تعتمد مبدأ خبيثا بني على فكرة «دمّر نفسك بنفسك».. أي أن مستعمر العصر الحديث لا يحتاج إلى إحضار الأساطيل والجيوش الجرارة وإلى نشر الآليات الحربية مع ما يعنيه كل ذلك من نزيف مادي وبشري.. وما يشكله من استفزاز لمشاعر الشعوب ومن استنهاض لحسّها الوطني فتهبّ للمقاومة وينتهي المطاف بكنس المحتل وتحرير الشعوب والدول كما حدث اثر موجة الاستعمار التي شهدتها شعوبنا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبدايات القرن العشرين بالخصوص.
يكفي مستعمري العصر الحديث أن يحرّكوا شياطين الفتنة الداخلية وأن يشعلوا نيرانها من وراء الحجب حتى تنطلق الشعوب في تدمير نفسها بنفسها.. إلى أن يستنزف الجميع. ويضعف الجميع.. فيتدخل المستثمرون في الحروب والقتل في ثوب رجال الاطفاء فيمرّرون الحلول والطبخات التي يرونها وينصّبون الأدوات التي يرضونها لحكم الكيانات القزمية التي تنشأ أو لإدارة الشعوب المنهكة والدول الجاثية على ركبتيها طلبا لجرعة أكسجين من المحتل الممسك بخيوط اللعبة.
وقد عشنا هذا المسلسل المرعب ولا نزال في العديد من دولنا.. كان العراق بلدا آمنا تتعايش فيه الأديان والمذاهب والطوائف.. كان نفس الحي يضم السني والشيعي والمسيحي والصابئي وحتى عبّاد الشمس أو الشيطان.. وكانوا يتعايشون في انسجام ووئام كبيرين قبل أن يتدخل المحتل الأمريكي متسلّحا بكل أدوات الفتنة ويشعل الحريق الكبير.. تفجير هنا لمسجد سني وتفجير هناك لمرقد شيعي.. وخلاف هنا بين مسلمين ومسيحيين وتفجيرات تقيّد ضد مجهول لكنها تؤجج نيران الفتنة.. فتدخل المذاهب والطوائف في صراعات دامية أفضت في الأخير إلى اضعاف الجميع واستنزافهم حتى بات العراق وهو العراق كيانا ضعيفا يرقد على تناقضات مذهبية وطائفية تلغّم وحدته وتقسمه إلى طوائف ومذاهب.
هذا النموذج الخبيث طبّق أيضا في سوريا التي دمّرت نفسها بنفسها واستنزفت كل طاقاتها إلى أن أصبحت كيانا هزيلا ومرتعا للعبة كبرى تديرها أطراف اقليمية ودولية حوّلت وحدة سوريا ودور سوريا العروبي إلى أثر بعد عين.. ومازالت  كرة النار تتدحرج باتجاه لبنان والسودان وليبيا وأخيرا إلى اليمن وجارته المملكة العربية السعودية.
فقد تدحرجت لعنة الفتنة الطائفية إلى اليمن لتجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام خطر فعلي يهدّد بامتداد الفتنة الطائفية التي أشعلت في اليمن واتخذت طابعا مذهبيا إلى أراضيها.. وهو ما أدّى في الأخير إلى اشعال فتنة كبرى باتت تضع الأشقاء في مواجهة مباشرة تستنزف المقدّرات وتهدّد بإشعال حريق كبير بين الطائفتين السنية والشيعية وكلاهما توحّدان الله وتعتمدان نفس القرآن وتتبعان نبيا واحدا عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
والفتنة الطائفية والمواجهة الكبرى بين المسلمين الذين يتبعون المذهب السني وبين أتباع المذهب الشيعي هي منتهى المخطط الصهيوني الغربي الكبير الهادف إلى نسف أسس الأمة الاسلامية من الداخل وتوجيه الضربة القاضية للأمّة بجناحيها السني والشيعي.. وهي فتنة تهدّد وجود الأمّة بأسرها ونيرانها سوف تلتهم الجميع ولن تفرّق بين مسلم سني ومسلم شيعي.. والمنطق السليم والعقل القويم يقتضيان تنبّه أبناء المذهبين إلى مخاطر الانزلاق في هذه اللعبة الخبيثة التي لا مخرج ولا فكاك منها.
فهل يتحرّك العقلاء في الشقين لوأد الفتنة الكبرى واطفاء الحريق الكبير اللذين يشكلان تهديدا وجوديا للأمة بأسرها.. ويراهن عليهما الأعداء  لتدمير السنة والشيعة معا واخضاع الجميع إلى مشرط التقسيم وإعادة التشكيل استكمالا لقيام ما يسمى «إسرائيل الكبرى» وإخضاعا لكامل المنطقة إلى هيمنة الكيان الصهيوني؟
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك