مع الشروق : أوروبا وأمريكا...من الشراكة إلى التفكك

مع الشروق : أوروبا وأمريكا...من الشراكة إلى التفكك

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/02

لم تكن الحرب على إيران مجرّد مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط، بل تحوّلت سريعًا إلى اختبار حقيقي لصلابة التحالف الغربي، وخصوصا العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، غير أنّ نتائج هذا الاختبار كشفت عن تصدّع غير مسبوق داخل حلف الناتو، وعن تباين عميق في الرؤى والمصالح بين ضفتي الأطلسي، في لحظة دولية شديدة الحساسية.
منذ اندلاع الحرب، بدا واضحا أن أوروبا اختارت مسارا مغايرا للاندفاع الأمريكي، فقد رفضت العديد من الدول الأوروبية الانخراط العسكري المباشر، وامتنعت عن تقديم دعم لوجستي حاسم، بل إن بعضها ذهب أبعد من ذلك برفض استخدام أراضيه وقواعده العسكرية لتنفيذ ضربات ضد إيران.
 هذا الموقف لم يكن تفصيلا عابرا، بل رسالة سياسية صريحة مفادها أن هذه الحرب ليست حرب أوروبا، وأن القارة العجوز لم تعد مستعدة للانخراط في مغامرات عسكرية لا تخدم مصالحها المباشرة. في المقابل، جاء الرد الأمريكي صاخبا، خصوصا من قبل الرئيس ترامب، الذي عبّر عن غضب غير مسبوق من حلفائه، واعتبر أن الناتو فشل في "اختبار الولاء"، ملمّحا إلى إمكانية إعادة النظر في الالتزامات الأمريكية تجاه الحلف، في تصريحات لم تكن مجرد انفعال سياسي، بل تعكس تحوّلا استراتيجيا في التفكير الأمريكي، قائما على منطق مفاده إما أن تكونوا معنا في حروبنا، أو لا جدوى من التحالف. غير أن أوروبا، التي خبرت كلفة الحروب وتداعياتها، بدت أكثر حذرا، فقد أكدت عدة عواصم أوروبية أن الهجوم على إيران يفتقر إلى الشرعية الدولية، وأن الانخراط فيه قد يجرّ القارة إلى أزمة طاقة خانقة واضطرابات اقتصادية عميقة، خاصة مع أهمية مضيق هرمز في إمدادات النفط العالمية، بل إن بعض الدول، مثل إسبانيا، رفضت صراحة منح الولايات المتحدة استخدام مجالها الجوي في العمليات العسكرية، في حين اكتفت دول أخرى بتقديم دعم محدود أو لوجستي دون المشاركة في القتال، وهنا تتجلّى حقيقة جديدة أن أوروبا لم تعد تابعا أعمى للقرار الأمريكي، بقدر ما تسعى لحماية مصالحها الخاصة.
هذا التباين في المواقف يعكس تحوّلا أعمق في بنية العلاقات الدولية، فبعد عقود من الهيمنة الأمريكية على القرار الغربي، بدأت أوروبا تدريجيا في بناء قدر من الاستقلالية الاستراتيجية، مدفوعة بعدة عوامل، من بينها الإرهاق من الحروب الطويلة والأزمات الاقتصادية المتتالية والحاجة إلى تأمين مصادر الطاقة وتصاعد الضغوط الداخلية من الرأي العام، وضمن هذا السياق، لم تعد العواصم الأوروبية مستعدة لدفع ثمن خيارات عسكرية لا تشارك في صياغتها، خاصة عندما تكون كلفتها الاقتصادية مرتفعة.
لعلّ اللافت في هذه الأزمة هو أن الخلاف لم يقتصر على الجانب العسكري، بل امتدّ إلى الخطاب السياسي نفسه، فقد وجّه ترامب انتقادات حادة لحلفائه، بما في ذلك المملكة المتحدة، متهما إياهم بالتقاعس، وهو ما يعكس تراجع الثقة داخل المنظومة الغربية.
في المقابل، تدرك أوروبا أن القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة ليست خيارا واقعيا، لكنها في الآن ذاته تسعى إلى إعادة التوازن في العلاقة، بحيث لا تكون مجرد تابع، بل شريكا حقيقيا في اتخاذ القرار، وهذا ما يفسّر موقفها الحذر من الحرب على إيران، ورفضها الانجرار إلى صراع قد يهدد استقرارها الداخلي.
اقتصاديا، تبدو أوروبا من أكبر المتضررين من هذه الحرب، سواء من حيث ارتفاع أسعار الطاقة، أو اضطراب سلاسل الإمداد، أو تراجع الاستثمارات، وهو ما يعزز قناعة متزايدة داخل القارة بأن الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط ليس خيارا أخلاقيا فقط، بل ضرورة اقتصادية حيوية.
ولا شكّ أن أزمة الحرب على إيران قد كشفت أن التحالف الأطلسي لم يعد كما كان، فالعلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة تدخل اليوم مرحلة جديدة، عنوانها التباعد المتواصل بدل التبعية المطلقة، والشراكة المشروطة بدل الانخراط غير المشروط، في لحظة مفصلية في تاريخ الغرب، لحظة تدرك فيها أوروبا أن عليها أن تعيد تعريف موقعها في العالم، وأن توازن بين تحالفاتها التقليدية ومصالحها الاستراتيجية وهو خيار ليس بالهيّن بالنسبة لها.
هاشم  بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك