مع الشروق : واشنطـن تتراجـع.. وطهران تحصـد ثمـار الصمـود

مع الشروق : واشنطـن تتراجـع.. وطهران تحصـد ثمـار الصمـود

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/20

يؤكّد الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة وإيران قبل يومين حقيقة حاولت واشنطن تجاهلها طوال الأشهر الماضية، وهي أن إيران لم تكن على وشك الانهيار او السقوط كما روجت الإدارة الأمريكية، وأن سياسة الضغوط القصوى والقوة العسكرية لم تنجح في إخضاعها أو انتزاع تنازلات استراتيجية منها.
فعلى امتداد أربعة أشهر من التصعيد، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بلغة المنتصر الذي يفرض شروطه على خصومه، وراهن على أن الحصار والضربات العسكرية والضغوط السياسية ستدفع طهران إلى الاستسلام. لكن نهاية المواجهة جاءت مختلفة تماما عن بدايتها؛ إذ جلس ترامب إلى طاولة التفاوض مع الدولة التي كان يتعهد بإخضاعها، وقبل باتفاق يعكس ميزان القوى الذي فرضته الوقائع على الأرض، لا الأمنيات التي رسمت في واشنطن وتل أبيب.
والأهم من ذلك أن الاتفاق جاء نتيجة اقتناع أمريكي باستحالة تحقيق نصر حاسم، وليس نتيجة انهيار إيران أو عجزها عن مواصلة المواجهة. فاستمرار الحرب كان يعني مزيدا من الاستنزاف العسكري، ومزيدا من الخسائر الاقتصادية، ومزيدا من الضغوط الداخلية والخارجية على الإدارة الأمريكية. ومع مرور الوقت، أصبح واضحا أن كلفة الحرب تتصاعد، بينما تتراجع فرص تحقيق الأهداف التي أعلنتها واشنطن في بداية الأزمة. هذه المخاوف عبر عنها ترامب بصراحه بقوله خلال اليومين الماضيين إن استمرار الحرب مع إيران كان من الممكن أن يُفضي إلى عواقب اقتصادية وخيمة، مضيفا أنه لا يريد أن يصبح مثل «الراحل العظيم هربرت هوفر»، الذي كان رئيسا للولايات المتحدة خلال انهيار سوق الأسهم عام 1929، والذي أشعل فتيل الكساد الكبير.
ويبدو ان هذا التقييم بانتصار ايران في المفاوضات ، لم يعد حكرا على خصوم الولايات المتحدة، بل أصبح حاضرا داخل المؤسسات الإعلامية الصهيونية والأمريكية نفسها. فقد اعترفت مجلة "فورين بوليسي" بأن الحرب على إيران انتهت إلى فشل استراتيجي كبير، ووصفت نتائجها بأنها أشد ضررا على المصالح الأمريكية من حرب فيتنام. وأشارت المجلة إلى أن واشنطن خرجت من المواجهة أضعف مما دخلتها، وأن أحد أهم أهدافها، وهو إضعاف النظام الإيراني أو تغييره، لم يتحقق، بل جاءت النتيجة معاكسة تماما.
وفي المقابل، تمكنت إيران من المحافظة على تماسكها السياسي وقدراتها الاستراتيجية، وأثبتت أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لا تكفي لكسر إرادة دولة تمتلك رؤية واضحة وإرادة صلبة. كما أظهرت قدرتها على إدارة المواجهة والتفاوض في آن واحد، من دون التخلي عن الثوابت التي اعتبرتها جزءا من أمنها القومي.ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في أعقاب الاتفاق هو حجم الغضب والانتقادات التي ظهرت داخل الأوساط الصهيونية. فالكثير من الأصوات هناك اعتبرت أن واشنطن تراجعت عن أهدافها، وأن الإدارة الأمريكية قبلت بتسوية لم تحقّق الرهانات التي بُنيت عليها الحرب. وهذا وحده يكشف حجم التحول الذي فرضته نتائج المواجهة على الحسابات الإقليمية والدولية. إن الاتفاق الذي وُقع قبل يومين لا يمثل نهاية الصراع بين واشنطن وطهران، لكنه يؤكد أن إيران دخلت هذه المواجهة دولة مستقلة متمسكة بخياراتها، وخرجت منها بالصفة نفسها. أما الولايات المتحدة، التي بدأت الأزمة بسقف مرتفع من التهديدات والوعود، فقد انتهت إلى خيار التفاوض بعدما أدركت أن كلفة الاستمرار في الحرب أكبر بكثير من أي مكاسب محتملة.
وما بين تهديدات الأمس وتوقيع الاتفاق اليوم، سقطت أوهام الحسم الأمريكي، وبقيت إيران رقما صعبا فرض على واشنطن التفاوض بعدما عجزت عن فرض الاستسلام.
ناجح بن جدو

تعليقات الفيسبوك