مع الشروق : ماذا لو كنا أكثر من 12 مليون نسمة؟

مع الشروق : ماذا لو كنا أكثر من 12 مليون نسمة؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/04

 مقارنة بعديد الدول الأخرى، تعتبر تونس من الدول "المحظوظة ديمغرافيا" حيث لا يتجاوز عدد سكانها 12 مليون نسمة . وبالنظر الى ما يتوفر في بلادنا من إمكانات ومقدرات وثروات طبيعية وجغرافية ومناخية لا توجد في دول أخرى فان هذا الرقم يعتبر معتدلا ومناسبا ليعيش كل مواطن تونسي في رفاه وطمأنينة ولتكون أسباب السعادة والرفاه المعيشي متوفرة دون أية تعثرات.
رغم هذا "الرخاء الديمغرافي" ، إلا ان الواقع اصبح يوحي بان مساحة بلادنا الشاسعة واراضيها الخصبة وسواحلها البحرية الممتدة وثرواتها الطبيعية تتحمل أكثر من طاقتها. كما يوحي بان محركات الاقتصاد والتنمية في البلاد في القطاعين العام والخاص التي تتكون من مئات آلاف المؤسسات العمومية والخاصة ومئات آلاف الهياكل والأجهزة الإدارية لم تعد قادرة على تلبية حاجيات السكان من مستلزمات معيشية وصحية وخدمات وغيرها.
وقد كشف النقص الحاد الذي حصل مؤخرا في قطاع الكهرباء والماء العمومي والمياه المعدنية، وما حصل سابقا من فوضى وتذبذب في قطاعات غذائية حساسة كالحليب والدواجن واللحوم والبيض ومشتقات الحبوب والغاز المنزلي والمحروقات  أن بعض أسس اقتصادنا هشة وضعيفة وطاقتها اقل من ان تتحمل حاجيات 12 مليون نسمة. ومن غير المعقول ان تعجز مؤسسات عريقة على توفير احتياجات 12 مليون نسمة من هذه السلع.
ويتأكد ذلك  أيضا في قطاع الدواء والخدمات العمومية كالنقل العمومي الذي اصبح غير قادر على تلبية الحاجيات والصحة التي أصبحت مستشفياتها شديدة الاكتظاظ والبنية التحتية للطرقات التي أصبحت تضيق بسيارات المواطنين والخدمات الإدارية التي تطول فترات انتظارها دون ان ننسى قطاع التعليم الذي يشكو منذ سنوات من ظاهرة "الاكتظاظ المدرسي. .ومن غير المعقول ان تعجز أجهزة عمومية عريقة عمرها اكثر من 70 عاما عن توفير هذه الحاجيات..
والثابت ان هياكلنا وأجهزتنا الإدارية ومؤسساتنا العمومية والخاصة بمختلف مسؤوليها وموظفيها ومهندسيها وعملتها تعتبر "محظوظة" مقارنة بالوضع في دول أخرى. إذ ان اسداء الخدمات العمومية او توفير السلع والغذاء والدواء والنقل العمومي ل12 مليون نسمة يعتبر مهمة بسيطة مقارنة بما تبذله تلك الهياكل والأجهزة في دول أخرى ذات كثافة سكانية عالية. فالطوابير الطويلة والانتظار "القاتل"  للحصول على سلعة او خدمة إدارية يوحي بان عدد سكاننا مرتفع للغاية والحال انه يقل في بعض الأحيان عن عدد سكان مدينة او  قرية في الدول ذات الكثافة السكانية العالية والتي نادرا ما تواجه أزمات ندرة او نقصان في بعض السلع .
ماذا كان سيحصل لو كانت وزارة التجارة في تونس مسؤولة عن توفير السلع المعيشية لاكثر من 12 مليون ساكن؟ وكيف كانت ستتصرف وزارة الفلاحة في بلادنا لو تعلق الامر بتوفير الغذاء لـ20  مليون نسمة؟ وهو نفس السؤال المطروح  على  وزارات الاقتصاد والتجهيز والصناعة والطاقة والبيئة والسياحة وتكنولوجيات الاتصال والتربية والصحة والنقل والثقافة والرياضة.. وكذلك على شركات الكهرباء والماء والاتصالات وديوان الحبوب  وديوان التجارة وعلى كل من له علاقة مباشرة بمعيشة الناس..
إن ما يحصل بين الحين والآخر من تقلبات ذات علاقة بندرة بعض المواد او فقدانها تماما من السوق او بحالة الاكتظاظ وعدم قدرة بعض الهياكل والأجهزة العمومية وشركات القطاع الخاص على تلبية حاجيات المواطنين، بات يحتاج اليوم الى وقفة تأمل لتشخيص الواقع ولطرح تساؤلات يكون منطلقها " ماذا لو كنا اكثر من 12 مليون نسمة"؟.  
فالامر لم يعد يتعلق بأزمات وقتية عابرة في بعض القطاعات بسبب قوة قاهرة ) تقلبات عالمية – جائحة طبيعية لا قدر الله..( بل باهتزازات أصبحت تتكرر كثيرا وفي عديد المجالات الحساسة كالغذاء والدواء والمحروقات والخدمات وقد آن الأوان لمعالجتها من جذورها ومن أسبابها قبل ان تستفحل اكثر. والمؤكد ان الحلول لمشكل هذه الازمات لا يمكن ان تتوفر إلا بالعمل على تكثيف الإنتاج من كل شيء في القطاعين العام والخاص بقوة الدولة والقانون  وتكثيف المخزونات الاحتياطية ومواصلة محاربة المحتكرين والمضاربين ومزيد تنظيم مسالك التوزيع على ارض الواقع وليس مجرد كلام على ورق ..
فاضل الطياشي

تعليقات الفيسبوك