مع الشروق : ثلاث سنوات... تغيّر المعادلات
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/08
ثلاث سنوات مرّت على 7 أكتوبر 2023، لكن ذلك اليوم لم يعد مجرد تاريخ في روزنامة العدوان الصهيوني على غزة، فقد أصبح نقطة فاصلة بين شرق أوسط كان يجري دفعه تدريجيًا نحو التطبيع وتهميش القضية الفلسطينية، وشرق أوسط أعادته غزة إلى قلب السياسة الدولية، فشل فيه الكيان الغاصب في تحقيق الانتصار الأهم، احتكار الرواية.
لا يمكن اختزال 7 أكتوبر في مشهدية واحدة كما يريدها الصهاينة، فالعدوان الصهيوني حوّل غزة إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، إذ تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 74 ألفا وفق السلطات الصحية في القطاع، وبعد وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، لم تتوقف أعمال الإبادة الإنسانية ضد الفلسطينيين العزل.
قبل 7 أكتوبر، كانت إسرائيل تتحرك في بيئة إقليمية مواتية، اتفاقات أبراهام فتحت أبوابا للتطبيع مع دول عربية، وكانت احتمالات توسيع هذا المسار مطروحة بقوة، وكانت القضية الفلسطينية تبدو، في الحسابات السياسية لبعض العواصم، قابلة للتأجيل، ثم جاءت غزة لتعيد ترتيب الأولويات.
ربما لم تُسقط الحرب اتفاقات أبراهام بالكامل، لكنها جعلت توسيعها أكثر تعقيدا ، والأهم أنها أعادت فلسطين إلى جدول الأعمال الدولي، بعدما حاولت إسرائيل وحلفاؤها التعامل معها باعتبارها قضية يمكن تجاوزها بالاتفاقات الأمنية والاقتصادية والتطبيع.
وفي الوقت نفسه، بدأت صورة إسرائيل تتآكل بصورة يصعب تجاهلها، فاستطلاع مركز بيو للأبحاث في 2026 أظهر أن أغلبية الرأي العام في معظم الدول الـ36 التي شملها الاستطلاع تحمل نظرة سلبية تجاه إسرائيل؛ 60 % في الولايات المتحدة، و69 % في بريطانيا، و73 % في ألمانيا، و75 % في إيطاليا، و78 % في إسبانيا والسويد. وفي الولايات المتحدة وحدها ارتفعت النظرة السلبية إلى إسرائيل من 53 % في 2025 إلى 60 % في 2026.
هذه الأرقام لا تعني أن إسرائيل خسرت المعركة السياسية بالكامل، ولا أن الدعم الغربي لها اختفى، لكنها تكشف شيئًا أكثر أهمية، وهو أن الهاسبارا لم تعد قادرة على فرض الرواية الإسرائيلية باعتبارها الرواية الوحيدة القابلة للتصديق.
ففي عصر الهاتف المحمول والمنصات الرقمية، لم تعد الصورة تمر حصريا عبر غرف الأخبار الكبرى أو البيانات الحكومية، فغزة دخلت إلى ملايين البيوت مباشرة، بالصوت والصورة، وبمشاهد الدمار والنزوح والضحايا، وأصبح السؤال العالمي أقل ارتباطًا بما تقوله الحكومات وأكثر ارتباطًا بما يراه الناس أمام أعينهم.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فالكيان المحتل دخل الحرب وهو يراهن على قوته العسكرية وعلى قدرته على إدارة صورته أمام العالم، وجد نفسه بعد ثلاث سنوات أمام أزمة أعمق في الشرعية الدولية وفي صورته لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.
لقد استطاعت إسرائيل أن تستخدم القوة، وأن توسع عملياتها العسكرية، وأن تحتفظ بدعم أمريكي استراتيجي، لكنها لم تستطع إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 7 أكتوبر، ففلسطين عادت إلى مركز المشهد، والهاسبارا فقدت احتكارها للرواية، والتطبيع لم يعد قادرا على تجاوز السؤال الفلسطيني بسهولة.
لهذا، فإن الإرث الأهم لـ7 أكتوبر لا يكمن فقط في ما حدث في ذلك اليوم، بل في ما حدث بعده، سقوط الوهم بأن القضية الفلسطينية يمكن دفنها تحت الاتفاقات والصفقات والتحالفات، فقد أثبتت غزة، بثمن إنساني رهيب، أن فلسطين ليست تفصيلًا يمكن شطبه من معادلات الشرق الأوسط.
هاشم بوعزيز
ثلاث سنوات مرّت على 7 أكتوبر 2023، لكن ذلك اليوم لم يعد مجرد تاريخ في روزنامة العدوان الصهيوني على غزة، فقد أصبح نقطة فاصلة بين شرق أوسط كان يجري دفعه تدريجيًا نحو التطبيع وتهميش القضية الفلسطينية، وشرق أوسط أعادته غزة إلى قلب السياسة الدولية، فشل فيه الكيان الغاصب في تحقيق الانتصار الأهم، احتكار الرواية.
لا يمكن اختزال 7 أكتوبر في مشهدية واحدة كما يريدها الصهاينة، فالعدوان الصهيوني حوّل غزة إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، إذ تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 74 ألفا وفق السلطات الصحية في القطاع، وبعد وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، لم تتوقف أعمال الإبادة الإنسانية ضد الفلسطينيين العزل.
قبل 7 أكتوبر، كانت إسرائيل تتحرك في بيئة إقليمية مواتية، اتفاقات أبراهام فتحت أبوابا للتطبيع مع دول عربية، وكانت احتمالات توسيع هذا المسار مطروحة بقوة، وكانت القضية الفلسطينية تبدو، في الحسابات السياسية لبعض العواصم، قابلة للتأجيل، ثم جاءت غزة لتعيد ترتيب الأولويات.
ربما لم تُسقط الحرب اتفاقات أبراهام بالكامل، لكنها جعلت توسيعها أكثر تعقيدا ، والأهم أنها أعادت فلسطين إلى جدول الأعمال الدولي، بعدما حاولت إسرائيل وحلفاؤها التعامل معها باعتبارها قضية يمكن تجاوزها بالاتفاقات الأمنية والاقتصادية والتطبيع.
وفي الوقت نفسه، بدأت صورة إسرائيل تتآكل بصورة يصعب تجاهلها، فاستطلاع مركز بيو للأبحاث في 2026 أظهر أن أغلبية الرأي العام في معظم الدول الـ36 التي شملها الاستطلاع تحمل نظرة سلبية تجاه إسرائيل؛ 60 % في الولايات المتحدة، و69 % في بريطانيا، و73 % في ألمانيا، و75 % في إيطاليا، و78 % في إسبانيا والسويد. وفي الولايات المتحدة وحدها ارتفعت النظرة السلبية إلى إسرائيل من 53 % في 2025 إلى 60 % في 2026.
هذه الأرقام لا تعني أن إسرائيل خسرت المعركة السياسية بالكامل، ولا أن الدعم الغربي لها اختفى، لكنها تكشف شيئًا أكثر أهمية، وهو أن الهاسبارا لم تعد قادرة على فرض الرواية الإسرائيلية باعتبارها الرواية الوحيدة القابلة للتصديق.
ففي عصر الهاتف المحمول والمنصات الرقمية، لم تعد الصورة تمر حصريا عبر غرف الأخبار الكبرى أو البيانات الحكومية، فغزة دخلت إلى ملايين البيوت مباشرة، بالصوت والصورة، وبمشاهد الدمار والنزوح والضحايا، وأصبح السؤال العالمي أقل ارتباطًا بما تقوله الحكومات وأكثر ارتباطًا بما يراه الناس أمام أعينهم.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فالكيان المحتل دخل الحرب وهو يراهن على قوته العسكرية وعلى قدرته على إدارة صورته أمام العالم، وجد نفسه بعد ثلاث سنوات أمام أزمة أعمق في الشرعية الدولية وفي صورته لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.
لقد استطاعت إسرائيل أن تستخدم القوة، وأن توسع عملياتها العسكرية، وأن تحتفظ بدعم أمريكي استراتيجي، لكنها لم تستطع إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 7 أكتوبر، ففلسطين عادت إلى مركز المشهد، والهاسبارا فقدت احتكارها للرواية، والتطبيع لم يعد قادرا على تجاوز السؤال الفلسطيني بسهولة.
لهذا، فإن الإرث الأهم لـ7 أكتوبر لا يكمن فقط في ما حدث في ذلك اليوم، بل في ما حدث بعده، سقوط الوهم بأن القضية الفلسطينية يمكن دفنها تحت الاتفاقات والصفقات والتحالفات، فقد أثبتت غزة، بثمن إنساني رهيب، أن فلسطين ليست تفصيلًا يمكن شطبه من معادلات الشرق الأوسط.
هاشم بوعزيز