مع الشروق : بين الإنسان والتكنولوجيا... من يسيطر؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/01
ليس من قبيل المبالغة أن تُفرد الأوساط السياسية والتكنولوجية جانبا كبيرا من نقاشاتها حول الذكاء الاصطناعي في الفترة الأخيرة، حيث لم يعد يُنظر إليه مجرد ثورة تكنولوجية جديدة، فالنقاش يتجه بسرعة نحو جدليات أكثر عمقا، متعلقة بمواصلة سباق تطوير الذكاء الاصطناعي بالسرعة نفسها، أم أن البشرية تحتاج إلى الضغط على المكابح قبل أن تصبح قدرات الآلة أكبر من قدرتها على السيطرة عليها.
هذا الجدل لم يعد محصورا في مختبرات التكنولوجيا، ففي استطلاع للرأي في سبتمبر الماضي، قال معظم الأمريكيين إنهم يشعرون بالقلق من إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لإيذاء البشر، لكنهم في الوقت نفسه لا يريدون إيقاف تطويره بالكامل، بل يميلون إلى فكرة إبطاء التطور وإخضاعه لمزيد من الضوابط، كما أظهر الاستطلاع أن الأمريكيين يرون ضرورة مواصلة تطوير التكنولوجيا للحفاظ على القدرة التنافسية للولايات المتحدة.
واللافت أن هذا القلق لا يأتي فقط من الشارع الأمريكي، ففي الأيام الأخيرة، حذّر باحثون حاليون وسابقون في شركات كبرى للذكاء الاصطناعي من أن السباق نحو أنظمة أكثر قدرة قد يتقدم بوتيرة أسرع من إجراءات السلامة، بينما تتزايد المخاوف من الاستخدامات الإجرامية، والهجمات السيبرانية، والتلاعب بالمعلومات، وفقدان السيطرة على بعض الأنظمة المستقلة.
لكن في المقابل، سيكون من الخطأ اختزال الذكاء الاصطناعي في صورة آلة تهدد الإنسان، فالتقرير العالمي للذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد في 2026 يرصد توسعا سريعا في استخداماته داخل الاقتصاد والبحث العلمي والطب والتعليم، ويشير إلى أن قيمة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بالنسبة إلى المستهلكين الأمريكيين بلغت، وفق تقديراته، نحو 172 مليار دولار سنويا في بداية 2026، كما بلغ اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي 88 % وفق المؤشر.
وهنا تحديداً يجب أن يتغير مضمون الجدال، فالذكاء الاصطناعي في حد ذاته ليس خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا، فما يمنحه حقّا قيمته أو خطورته هو الاستخدام الذي يوجّه إليه، والجهة التي تستخدمه، والضوابط التي تحكم هذا الاستخدام.
التكنولوجيا نفسها التي يمكن أن تساعد طبيبا على اكتشاف مرض في مرحلة مبكرة، يمكن أن تُستخدم لصناعة معلومات مضللة، والنظام القادر على تحليل ملايين البيانات لمساعدة شركة على تحسين إنتاجيتها يمكن أن يُستخدم أيضا في الاحتيال أو الهجمات السيبرانية، والأداة التي تختصر ساعات من العمل أمام مهندس أو باحث يمكن، في سياق آخر، أن تصبح وسيلة لإقصاء وظائف كاملة إذا استُخدمت دون سياسات انتقال عادلة للعمال.
وهذا ما تؤكده المقاربة العلمية لإدارة المخاطر، فالمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا لا يتعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي باعتبارها حكما نهائيا على التكنولوجيا، وإنما يدعو إلى تقييم المخاطر وفق طبيعة النظام وتصميمه وطريقة نشره واستخدامه، مع التأكيد على السلامة والشفافية والمساءلة والخصوصية.
بل إن التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026 يميز بين ثلاثة أنواع رئيسية من المخاطر، هي إساءة الاستخدام المتعمدة، والأخطاء أو السلوكيات غير المتوقعة، والمخاطر النظامية الناتجة عن الانتشار الواسع للتكنولوجيا في المجتمع والاقتصاد، وفي الوقت نفسه، يؤكد أن بعض المخاطر أصبحت واقعية بالفعل، بينما تظل أخرى مستقبلية وغير مؤكدة.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين معسكر يريد الذكاء الاصطناعي ومعسكر يريد إيقافه، بقدر ما هي معركة حول من يضع قواعد استخدامه، ولأي غاية، وتحت أي رقابة، وبأي مسؤولية.
لاشكّ أن البشرية لا تحتاج إلى الخوف من الذكاء الاصطناعي بقدر ما تحتاج إلى ألا تتخلى عن مسؤوليتها في توجيهه، فالآلة لا تختار وحدها أن تُستخدم في اكتشاف دواء، أو تطوير الصناعة، أو تحسين التعليم، أو نشر التضليل، أو شن هجوم سيبراني، فالبشر هم من يحددون الأهداف والحوافز والحدود.
ولهذا ربما لا يكون الجدل الصحيح، حول إيقاف الذكاء الاصطناعي أم تركه يواصل مساره الحالي بالسرعة ذاتها، بل يتعلق بسؤال أعمق هو أي ذكاء اصطناعي نريد، ولأي إنسان، ولأي اقتصاد، ولأي مستقبل؟
إذا نجح العالم في الإجابة عن هذا السؤال، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي واحدا من أعظم أدوات التقدم البشري، أما إذا تُركت قدراته تتوسّع أسرع من القواعد التي تحكمها، فقد تتحول التكنولوجيا التي صُنعت لخدمة الإنسان إلى قوة يصعب على الإنسان توجيهها، والحد الفاصل بين الاحتمالين لن ترسمه الآلة، بل قرارات البشر.
هاشم بوعزيز
ليس من قبيل المبالغة أن تُفرد الأوساط السياسية والتكنولوجية جانبا كبيرا من نقاشاتها حول الذكاء الاصطناعي في الفترة الأخيرة، حيث لم يعد يُنظر إليه مجرد ثورة تكنولوجية جديدة، فالنقاش يتجه بسرعة نحو جدليات أكثر عمقا، متعلقة بمواصلة سباق تطوير الذكاء الاصطناعي بالسرعة نفسها، أم أن البشرية تحتاج إلى الضغط على المكابح قبل أن تصبح قدرات الآلة أكبر من قدرتها على السيطرة عليها.
هذا الجدل لم يعد محصورا في مختبرات التكنولوجيا، ففي استطلاع للرأي في سبتمبر الماضي، قال معظم الأمريكيين إنهم يشعرون بالقلق من إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لإيذاء البشر، لكنهم في الوقت نفسه لا يريدون إيقاف تطويره بالكامل، بل يميلون إلى فكرة إبطاء التطور وإخضاعه لمزيد من الضوابط، كما أظهر الاستطلاع أن الأمريكيين يرون ضرورة مواصلة تطوير التكنولوجيا للحفاظ على القدرة التنافسية للولايات المتحدة.
واللافت أن هذا القلق لا يأتي فقط من الشارع الأمريكي، ففي الأيام الأخيرة، حذّر باحثون حاليون وسابقون في شركات كبرى للذكاء الاصطناعي من أن السباق نحو أنظمة أكثر قدرة قد يتقدم بوتيرة أسرع من إجراءات السلامة، بينما تتزايد المخاوف من الاستخدامات الإجرامية، والهجمات السيبرانية، والتلاعب بالمعلومات، وفقدان السيطرة على بعض الأنظمة المستقلة.
لكن في المقابل، سيكون من الخطأ اختزال الذكاء الاصطناعي في صورة آلة تهدد الإنسان، فالتقرير العالمي للذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد في 2026 يرصد توسعا سريعا في استخداماته داخل الاقتصاد والبحث العلمي والطب والتعليم، ويشير إلى أن قيمة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بالنسبة إلى المستهلكين الأمريكيين بلغت، وفق تقديراته، نحو 172 مليار دولار سنويا في بداية 2026، كما بلغ اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي 88 % وفق المؤشر.
وهنا تحديداً يجب أن يتغير مضمون الجدال، فالذكاء الاصطناعي في حد ذاته ليس خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا، فما يمنحه حقّا قيمته أو خطورته هو الاستخدام الذي يوجّه إليه، والجهة التي تستخدمه، والضوابط التي تحكم هذا الاستخدام.
التكنولوجيا نفسها التي يمكن أن تساعد طبيبا على اكتشاف مرض في مرحلة مبكرة، يمكن أن تُستخدم لصناعة معلومات مضللة، والنظام القادر على تحليل ملايين البيانات لمساعدة شركة على تحسين إنتاجيتها يمكن أن يُستخدم أيضا في الاحتيال أو الهجمات السيبرانية، والأداة التي تختصر ساعات من العمل أمام مهندس أو باحث يمكن، في سياق آخر، أن تصبح وسيلة لإقصاء وظائف كاملة إذا استُخدمت دون سياسات انتقال عادلة للعمال.
وهذا ما تؤكده المقاربة العلمية لإدارة المخاطر، فالمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا لا يتعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي باعتبارها حكما نهائيا على التكنولوجيا، وإنما يدعو إلى تقييم المخاطر وفق طبيعة النظام وتصميمه وطريقة نشره واستخدامه، مع التأكيد على السلامة والشفافية والمساءلة والخصوصية.
بل إن التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026 يميز بين ثلاثة أنواع رئيسية من المخاطر، هي إساءة الاستخدام المتعمدة، والأخطاء أو السلوكيات غير المتوقعة، والمخاطر النظامية الناتجة عن الانتشار الواسع للتكنولوجيا في المجتمع والاقتصاد، وفي الوقت نفسه، يؤكد أن بعض المخاطر أصبحت واقعية بالفعل، بينما تظل أخرى مستقبلية وغير مؤكدة.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين معسكر يريد الذكاء الاصطناعي ومعسكر يريد إيقافه، بقدر ما هي معركة حول من يضع قواعد استخدامه، ولأي غاية، وتحت أي رقابة، وبأي مسؤولية.
لاشكّ أن البشرية لا تحتاج إلى الخوف من الذكاء الاصطناعي بقدر ما تحتاج إلى ألا تتخلى عن مسؤوليتها في توجيهه، فالآلة لا تختار وحدها أن تُستخدم في اكتشاف دواء، أو تطوير الصناعة، أو تحسين التعليم، أو نشر التضليل، أو شن هجوم سيبراني، فالبشر هم من يحددون الأهداف والحوافز والحدود.
ولهذا ربما لا يكون الجدل الصحيح، حول إيقاف الذكاء الاصطناعي أم تركه يواصل مساره الحالي بالسرعة ذاتها، بل يتعلق بسؤال أعمق هو أي ذكاء اصطناعي نريد، ولأي إنسان، ولأي اقتصاد، ولأي مستقبل؟
إذا نجح العالم في الإجابة عن هذا السؤال، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي واحدا من أعظم أدوات التقدم البشري، أما إذا تُركت قدراته تتوسّع أسرع من القواعد التي تحكمها، فقد تتحول التكنولوجيا التي صُنعت لخدمة الإنسان إلى قوة يصعب على الإنسان توجيهها، والحد الفاصل بين الاحتمالين لن ترسمه الآلة، بل قرارات البشر.
هاشم بوعزيز