مع الشروق : العالـم على صفيح ساخن.. هل تقترب الحرب العالمية الثالثة؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/06
لم يعد الحديث عن توتّرات دولية متفرّقة مجرّد توصيف عابر للمشهد العالمي، فالعالم يبدو اليوم وكأنّه يتحرّك فوق أرضية سياسية وأمنية شديدة الهشاشة، تتقاطع فيها أزمات أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، وتتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية مع صراع أوسع على النفوذ وموازين القوى.
ولعلّ ما يزيد خطورة المرحلة أن العديد من هذه الأزمات لم تعد محصورة داخل حدودها الجغرافية الضيّقة، بل باتت تمتلك القدرة على جرّ قوى كبرى إلى مواجهات مباشرة قد يصعب احتواؤها في أي مرحلة.
ففي أوروبا مثلا، تظل الحرب في أوكرانيا أبرز عنوان للصدام المتصاعد بين روسيا والغرب، إذ لم تعد المواجهة تقتصر على خطوط الجبهة، بل امتدت إلى العقوبات الاقتصادية، والهجمات السيبرانية، والحرب المعلوماتية والهجينة، والتجاذبات الأمنية والعسكرية.
ومع استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا، وارتفاع حدّة الخطاب الروسي تجاه حلف شمال الأطلسي، تتزايد المخاوف من أن يؤدي خطأ ما في الحسابات أو حادث أمني كبير إلى انتقال المواجهة من حرب بالوكالة إلى صدام مباشر بين موسكو والناتو.
بالتوازي مع ذلك، تبدو الصورة في الشرق الاوسط أكثر تعقيدا، فالصراع الصهيوني الفلسطيني، والتوتر المتصاعد حول إيران، والحرب الأمريكية الإيرانية، إلى جانب التوترات المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة، كلها أزمات مترابطة يمكن لأي شرارة فيها أن تفتح جبهات جديدة.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية في هذا السياق، ليس فقط باعتباره ممرا حيويا للطاقة، وإنما لأنه يمثّل إحدى أكثر نقاط الضغط حساسية في الاقتصاد العالمي، فأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبره يمكن أن ينعكس سريعا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق الدولية، ويحوّل أزمة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.
أما في آسيا، فإن التنافس بين الصين والولايات المتحدة وحلفائهما يضع ملف تايوان في قلب واحدة من أخطر معادلات الأمن الدولي، فبكين تنظر إلى الجزيرة باعتبارها جزءا من أراضيها وخط أحمر لا يمكن تجاوزه، بينما ترى واشنطن أن الحفاظ على توازن القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يمثل مصلحة استراتيجية أساسية، ومع تصاعد النشاط العسكري والتنافس التكنولوجي والاقتصادي، تتقلّص تدريجيا المساحات الفاصلة بين الردع والمواجهة.
المفارقة أن هذه الملفات الثلاثة ليست منفصلة كما تبدو في الظاهر، فروسيا تراقب تحركات الغرب في آسيا، والصين تتابع بدقة طبيعة المواجهة الروسية الغربية، فيما تدرك الولايات المتحدة أن انخراطها في أكثر من جبهة في الوقت نفسه قد يختبر قدرتها على إدارة مواردها العسكرية والاقتصادية، وفي المقابل تدرك القوى الأخرى أن انشغال واشنطن بجبهة قد يمنحها هامشا أوسع للتحرك في جبهة أخرى.
لهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في وجود حرب عالمية مخطّط لها، بل في تراكم الأزمات وسوء الحسابات، إذ أن حادثا عسكريا، أو هجوما غير محسوب، أو قرارا سياسيا متسرّعا، قد يكون كافيا لإشعال مواجهة تتجاوز قدرة الأطراف على السيطرة عليها.
قد لا يبدو العالم يقف بالضرورة على أعتاب حرب عالمية، لكنه يعيش بالتأكيد أخطر مراحل إعادة تشكيل موازين القوى منذ عقود، وفي عالم تتراجع فيه الثقة بين القوى الكبرى وتتّسع فيه ساحات التنافس، تصبح مهمة الحفاظ على السلام أكثر صعوبة.
بدرالدّين السّيّاري
لم يعد الحديث عن توتّرات دولية متفرّقة مجرّد توصيف عابر للمشهد العالمي، فالعالم يبدو اليوم وكأنّه يتحرّك فوق أرضية سياسية وأمنية شديدة الهشاشة، تتقاطع فيها أزمات أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، وتتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية مع صراع أوسع على النفوذ وموازين القوى.
ولعلّ ما يزيد خطورة المرحلة أن العديد من هذه الأزمات لم تعد محصورة داخل حدودها الجغرافية الضيّقة، بل باتت تمتلك القدرة على جرّ قوى كبرى إلى مواجهات مباشرة قد يصعب احتواؤها في أي مرحلة.
ففي أوروبا مثلا، تظل الحرب في أوكرانيا أبرز عنوان للصدام المتصاعد بين روسيا والغرب، إذ لم تعد المواجهة تقتصر على خطوط الجبهة، بل امتدت إلى العقوبات الاقتصادية، والهجمات السيبرانية، والحرب المعلوماتية والهجينة، والتجاذبات الأمنية والعسكرية.
ومع استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا، وارتفاع حدّة الخطاب الروسي تجاه حلف شمال الأطلسي، تتزايد المخاوف من أن يؤدي خطأ ما في الحسابات أو حادث أمني كبير إلى انتقال المواجهة من حرب بالوكالة إلى صدام مباشر بين موسكو والناتو.
بالتوازي مع ذلك، تبدو الصورة في الشرق الاوسط أكثر تعقيدا، فالصراع الصهيوني الفلسطيني، والتوتر المتصاعد حول إيران، والحرب الأمريكية الإيرانية، إلى جانب التوترات المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة، كلها أزمات مترابطة يمكن لأي شرارة فيها أن تفتح جبهات جديدة.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية في هذا السياق، ليس فقط باعتباره ممرا حيويا للطاقة، وإنما لأنه يمثّل إحدى أكثر نقاط الضغط حساسية في الاقتصاد العالمي، فأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبره يمكن أن ينعكس سريعا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق الدولية، ويحوّل أزمة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.
أما في آسيا، فإن التنافس بين الصين والولايات المتحدة وحلفائهما يضع ملف تايوان في قلب واحدة من أخطر معادلات الأمن الدولي، فبكين تنظر إلى الجزيرة باعتبارها جزءا من أراضيها وخط أحمر لا يمكن تجاوزه، بينما ترى واشنطن أن الحفاظ على توازن القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يمثل مصلحة استراتيجية أساسية، ومع تصاعد النشاط العسكري والتنافس التكنولوجي والاقتصادي، تتقلّص تدريجيا المساحات الفاصلة بين الردع والمواجهة.
المفارقة أن هذه الملفات الثلاثة ليست منفصلة كما تبدو في الظاهر، فروسيا تراقب تحركات الغرب في آسيا، والصين تتابع بدقة طبيعة المواجهة الروسية الغربية، فيما تدرك الولايات المتحدة أن انخراطها في أكثر من جبهة في الوقت نفسه قد يختبر قدرتها على إدارة مواردها العسكرية والاقتصادية، وفي المقابل تدرك القوى الأخرى أن انشغال واشنطن بجبهة قد يمنحها هامشا أوسع للتحرك في جبهة أخرى.
لهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في وجود حرب عالمية مخطّط لها، بل في تراكم الأزمات وسوء الحسابات، إذ أن حادثا عسكريا، أو هجوما غير محسوب، أو قرارا سياسيا متسرّعا، قد يكون كافيا لإشعال مواجهة تتجاوز قدرة الأطراف على السيطرة عليها.
قد لا يبدو العالم يقف بالضرورة على أعتاب حرب عالمية، لكنه يعيش بالتأكيد أخطر مراحل إعادة تشكيل موازين القوى منذ عقود، وفي عالم تتراجع فيه الثقة بين القوى الكبرى وتتّسع فيه ساحات التنافس، تصبح مهمة الحفاظ على السلام أكثر صعوبة.
بدرالدّين السّيّاري