مع الشروق : الإنسان في زمن الرّبح... وسوق «المُحتوى»

مع الشروق : الإنسان في زمن الرّبح... وسوق «المُحتوى»

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/09

شدّ انتباهي صانعُ محتوى في حالة نفسية سيئة، يحدّث جمهور الفايسبوك عن مأساة تلميذ يتيم أحرقت زوجة أبيه كتبه وكراساته وتمارينه، وهو يجتاز الباكالوريا التجريبية هذه الأيام (Bac blanc). تحدّث عن المأساة، ثم ختم الحكاية بدموع غزيرة وخطاب عاطفي مؤثّر، واكتفى بالطمأنة بأنّ التلميذ بخير، وقد تمّ إجلاؤه من بيت والده إلى بيت خالته بالقوّة.
صانع المحتوى نقل المأساة، ثم أغلق منافذ التواصل مع التلميذ اليتيم، وحجب كل معلومة يمكن أن تدلّ الراغبين في مساعدته أو تسهّل التواصل معه، كما أغلق "الميسنجر" لمنع إرسال الرسائل القصيرة، فارضًا بذلك على المتفاعلين والراغبين في مدّ يد المساعدة كتابة تعليق على صفحته. ليتأكّد أنّ صانع المحتوى ـ وهو أستاذ ـ احتكر هذه الحالة الاجتماعية، لا حبًّا أو خوفًا على التلميذ المتضرّر من التشهير، بل للاستثمار في هذه المأساة، وفي هذه السقطة الإنسانية الكبيرة لزوجة الأب، ولكلّ من ركب على الحدث لأجل رفع نسب التفاعل والمشاهدات على الفايسبوك، وجني الأموال نتيجة تداول الخبر وتقاسم نشره وإحراز نسبة مشاهدة مرتفعة.
يكشف هذا التصرّف عن تغليب المادة ومنطق الربح على المصلحة العليا للمُستضعفين، وتحويل مآسي الناس وأوجاعهم ومشاكلهم وقصصهم الحزينة إلى تجارة ومحتوى رقمي يستدرّ العطف والشفقة، ويبتزّ مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي عاطفيًّا لغايات تخدم صانع المحتوى أكثر ممّا تخدم المتضرّر نفسه.
في كثير من المواقف الإنسانية المحرجة والمؤلمة، طغى منطق الرّبح، وتهافت المتهافتون على مسْرَحة هموم الآخرين وتحويلها إلى تراجيديا افتراضية، يحكمها التنافس حول من يكون الأسبق في كشف المستور، وتعرية الحقيقة، وشدّ انتباه المتفاعلين، ولو كذبًا.
أصبحت هذه الممارسات عنوانًا لسقوط أخلاقي شبه جماعي يُمارَس تحت غطاء الإنسانية، بدعوى استرداد الحقوق، ونصرة المغلوب على أمره، ورفع المظالم، وتبليغ صدى العاجزين والمُكبّلين، باستعمال مؤثّرات كثيرة، مثل دموع التماسيح والقفز على الحبل كالبهلوان، حتّى عمّت الفوضى، وكثرت الأقنعة أمام آلاف الفيديوهات والتصريحات والتسريبات، وكلّ ذلك لأجل هدف أوحد، وهو جني المال  والترفيع من نسب التفاعل.
تتعمّق هذه الفوضى، وينتشر هذا الابتزاز العاطفي باسم الإنسانية، نتيجة غياب تأطير صنّاع المحتوى والمؤثّرين في تونس، وعدم توفّر إحصائيات رسمية دقيقة تحدّد عددهم، خاصة وأنّ الكثير منهم يعملون بشكل فردي  وهمجيّ على منصّات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"يوتيوب" و"فايسبوك". ويرجّح أنّ عدد هؤلاء  يتراوح  بين 10 آلاف و50 ألف شخص، يستهدفون جمهورًا واسعًا من مستخدمي الإنترنت يضمّ حوالي 10.5 ملايين مستخدم، وأكثر من 7 ملايين مستخدم لشبكات التواصل الاجتماعي بأنواعها .
ليُدخل هؤلاء المهووسون بالرّبح المسائل الإنسانية في قطاع التّسويق الرقمي، عبر أصحاب الصفحات النّشطة، ومنتجي الفيديوهات القصيرة، و"اليوتيوبرز"،  وصغار المؤثّرين، وصنّاع المحتوى. ويحتكرون الحقيقة المغلّفة بالكذب والرياء والابتزاز العاطفي، وليس أكثر من هذا السقوط الأخلاقي في عالم افتراضي داس على القيم، وتاجر بالإنسان وأوجاعه، ونشر ثقافة المساحيق والأقنعة والحقائق المُفبركة، حتّى لم نعد نتبيّن الصادق من الكاذب، والمزيّف من النّفيس.
وحيدة المي 

تعليقات الفيسبوك