تحاليل الشروق ... «الزعماء» كثيرون والبلاد تغرق... أين الخلل؟

تحاليل الشروق ... «الزعماء» كثيرون والبلاد تغرق... أين الخلل؟

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/05/19

حين يتكلّم سياسيونا، وبقطع النظر عن ألوانهم وانتماءاتهم الحزبية تحسب نفسك تلميذا صغيرا يجلس في صف لتلقي الدروس والمواعظ من أساتذة يملكون ناصية المعرفة والحكمة.. وحين تنظر إلى واقع البلاد وتستعرض الدمارات التي يعيشها الشعب ويتخبّط فيها اقتصادنا الوطني تجد نفسك أمام أسئلة محيّرة: إذا كنا نملك هذه الجيوش الجرارة من السياسيين والخبراء لماذا تغيب الحلول وتسوء حال البلاد والشعب من يوم إلى يوم؟ وأين الخلل هل هو في هذه النخبة السياسية الهاوية والمفتقرة الى أبجديات التصرّف والتسيير وتصريف شؤون الدولة أم هو في نظام سياسي وانتخابي وضع ليكبّل الجميع ويشتت المشهد ويفرق دم السلطة بين القبائل السياسية والحزبية؟


***
جواب هذه الأسئلة الحائرة والمحيّرة يستوجب من الجميع لحظة صراحة ومصارحة يقفون فيها أمام المرآة ليحاولوا وضع إجابات موضوعية  تكون أساسا لوصفة الخلاص والخروج من دائرة التردي والسقوط المتواصلين...
ولعل أول ما يجب أن يكتشفه الواقفون أمام المرآة أنهم في أغلبيتهم  الساحقة في حالة انتصاب فوضوي أي أنهم وجدوا أنفسهم إثر لحظة غضب  شعبي تمددت وتمططت لأسباب يطول شرحها وليس لهم فيها ناقة ولا جمل في أعلى الهرم يتحكمون في كل السلطة والحال أنهم لم يكونوا يحلمون بأكثر من بعض فتاتها... شأنهم شأن من قال بأن حزبه كان يطلب الحصول على دكان في سوق فإذا به يمنح كل السوق.
هذه اللحظة الثورية التي باغتت الجميع أفضت إلى قيام وضع جديد أصاب الساسة وأفراد الشعب بجرعات زائدة من الديمقراطية (Overdose).. وضع أنتج كائنا هلاميا لا تناسق ولا انسجام بين رأسه وجسده.
الساسة ثملوا بخمرة السلطة والتدافع لتحصيل المناصب والمغانم والمواطنون وجدوا الفسحة للتخلص من كل القيود وللثأر من تغوّل الدولة ليمارسوا بدورهم تغوّلا ضرب كل الثوابت ومزّق كل القيود وداس على قيم احترام القانون والمؤسسة وأحال قيمة العمل والإنتاج على المعاش... وضع ركبته النقابات و«القبائل» المهنية لتطلق العنان لروح مطلبية منفلتة لا تعترف بحدود ولا بضوابط مما أحال الدولة والمؤسسة إلى كائن كسيح لا يملك ليبقى على قيد الحياة بديلا عن التداين وبسط اليد للمؤسسات المالية الدولية...


***
هذا الوضع العبثي الذي دخلته البلاد ظلّ يتعقد مع الشهور والسنوات وزاد في تعقيده وتعكيره نفاق النخب السياسية وعجزها عن إيجاد أجوبة لكل الأسئلة الحارقة التي ما تزال تنبعث وتكبر في سماء البلاد. وبدل الانكباب على إيجاد هذه الأجوبة نجد الجميع ينخرطون في مناكفات ومجادلات وحروب مواقع ومصالح لا تنتهي الواحدة منها إلا لتشتعل أخرى بأكثر ضراوة وبأكثر تدميرا.
وضع أرسل إلى المواطن العادي إشارات سلبية جعلته يدير ظهره ويشيح بوجهه عن هذه الطبقة السياسية التي لا تفكر إلا في مصالحها ومغانمها فيما يشهد هو انهيار قدرته الشرائية ويكتوي بنيران أسعار برعت في ممارسة رياضة القفز العالي... تماما كما يشهد تدهور وضعه الأمني وانفلات آفات من قبيل الجرائم والبراكاجات وترويج واستهلاك المخدرات علاوة على عربدة أباطرة التهريب وتغوّلهم على أجهزة الدولة.
مضافا إلى كل هذا إرهاب يحرص كل مرة على تذكير الجميع بأنه يقف على الباب متربصا بالبلاد وبالعباد ومتصيّدا للخطة التي ينفث فيها سمومه...


***
وبالمحصلة فإن طبقة سياسية بهذه الملامح والمواصفات لا يمكن أن تحقق أفضل من هذه الحصيلة  الكارثية التي يبدو معها الإنقاذ أملا بعيدا إن لم نقل مستحيلا في ظل ما نرصده في المشهد الحالي: طبقة سياسية مشتتة... سياسيون يجيدون لعبة التنافق والنط على الحبال وبين المواقع والمواقف... ومواطنون غارقون في هموم يومية وفقدوا الثقة في الجميع  وباتوا ينظرون إلى الوراء ويتحسّرون على وضع باتوا يحنّون إليه... مضاف إلى كل هذا نظام سياسي وانتخابي نسجت خيوطه بإحكامه إرادات خططت لتشتيت دم السلطة وقطع الطريق أمام قيام أي نظام قوي يكون قادرا على صياغة مشروع وطني للإنقاذ والنهوض وتحقيق النقلة المطلوبة لبناء دولة ديمقراطية عصرية حداثية ومتطورة يسودها منطق القانون والمؤسسات وتساعد على إنتاج الثروة الوطنية وتعيد توزيعها بعدل على الجهات والفئات الاجتماعية...


***
ومع ذلك فإن الأمل يبقى قائما متى تداعى القوم إلى سلسلة مراجعات جذرية تبدأ من الإقرار بحدود وبعجز المنظومة الحالية وتتجه نحو تفعيل دور الإدارة والكفاءات في تصريف شؤون ودواليب الدولة... وتصل في النهاية إلى بلورة أرضية تحالفات بين أطياف حداثية وسطية يمكنها الالتقاء في الاستحقاق الانتخابي القادم وتحقيق اختراق يفكّ القيود التي فرضها النظام السياسي ويصعّد أغلبية مريحة يمكن الرهان عليها لإعادة الأمور إلى نصابها وتخليص البلاد من سلسلة الانهيارات.
نعم الخلاص ممكن والإنقاذ ممكن متى أدرك رموز الأحزاب الوسطية بأن الدولة فعلا هي قبل الأحزاب وقبل الأشخاص وبأن هذه الدولة تستحق تنازلات متبادلة في سبيل إنقاذها من خلال تهيئة المناخات لقيام حكومة قوية إثر الانتخابات القادمة، حكومة تسندها كتلة برلمانية توفر لها حزاما سياسيا يطلق يديها ويمكنها من الانخراط الفاعل في كل الإصلاحات والإجراءات اللازمة لإنقاذ البلاد من انهيار مدوّ تكدّست نذره وبات يهدد الجميع.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أكد القيادي في حركة النهضة سمير ديلو، لدى تدخله اليوم الثلاثاء 22 أكتوبر 2019، في حوار عبر إذاعة
21:44 - 2019/10/22
كشف وزير الطاقة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة سليم الفرياني أن العجز الطاقي لتونس بلغ 52 % خلال سنة
20:00 - 2019/10/22
التقى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمس وذلك على هامش مشاركته في م
20:00 - 2019/10/22
بعد التزام رئيس الجمهورية المنتخب قيس سعيّد خلال المناظرة التلفزية بعدم توظيف أي كان في فريقه الا
20:00 - 2019/10/22
صرّح أ-مس رئيس الجمهورية قيس سعيّد بمكاسبه ومصالحه بالمقر المركزي للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد و
20:00 - 2019/10/22
رجل الدقائق الأخيرة والمراحل الحاسمة، شديد الهدوء حتّى في أكثر اللحظات تأزّما ، يحلو لبعض المقربي
20:00 - 2019/10/22
خلال لقائه برئيس الجمهورية أمس جدّد رئيس هيئة الانتخابات نبيل بفون تقديره لمجهودات محمد الناصر، و
20:00 - 2019/10/22
في مشهد يشبه الى حد بعيد الانتفاضة الشعبية او الثورة الشاملة حتى، انتفض اللبنانيون بمئات الآلاف ع
20:00 - 2019/10/22