منبر الجمعة..الاضحيـــة فداء ومغفــرة

منبر الجمعة..الاضحيـــة فداء ومغفــرة

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/08/09

 إن لكل أمةٍ عيدًا يشتملُ على عقيدتها، ويُوحِّدُ كلمتَها، ويربِطُ بين أمَّتها، ويظهر فيه سُرورُها، وتلبَسُ فيه زينتَها وبهجتَها، قال الله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) [الحج: 67].
 قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «منسَكًا؛ أي: عيدًا».  ونحن -معشر المسلمين- قد جعل الله لنا عيدَيْن مُبارَكَيْن، وشرعَهما في زمانَيْن فاضِلَيْن تتضاعَفُ فيهما الحسنات، وتُكفَّرُ السيئات؛ فقد شرعَ الله لنا عيدَ الفِطر بعد صيام رمضان وقيام لياليه، فكان بدايةً للتمتُّع بما أحلَّ الله من الطيبات من غير إسرافٍ ولا عُدوانٍ، وعيدُ الأضحى بعد أعظم رُكنٍ من أركان الحجِّ، وفي يوم أعمال الحجِّ؛ عن أنس -رضي الله عنه- قال: قدِمَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ ولهم يومان يلعبون فيهما، قال: «ما هذان اليومان؟!». قالوا: كنا نلعبُ فيهما في الجاهلية، فقال: «قد أبدلَكم الله خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفِطر». 


وللعيدَيْن في الإسلام معانٍ عظيمةٌ سامِيةٌ، وحِكَمٌ بالغةٌ قيِّمةٌ، وآثارٌ نافعةٌ، وبركاتٌ عامَّةٌ، يعرِفُها من تفكَّرَ فيها، أو أُرشِدَ إليها؛ فمن هذه المعاني العظيمة، والحِكَم البالغة، والبركات النافعة: تحقيقُ التوحيد لربِّ العالمين؛ فالصلاةُ بالقراءة فيها وأذكارها وأفعالها وأعمال القلوب في هذه الصلاة؛ من الإخلاص، والخشوع، والطمأنينة، والرغبة، والخوف، وغير ذلك، كل هذا توحيدٌ لربِّ العالمين ربِّ العزَّة والجلال، وتحقيقٌ للاقتِداء بسيِّد البشر نبيِّنا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-. وما يتقدَّمُ صلاةَ العيدَيْن من الذكرِ والتكبير تعظيمٌ لشأن الله، وإجلالٌ لعظمته وكبريائه وعِزَّته وجبروته، وإخبارٌ بأنَّ الربَّ -جل وعلا- أكبرُ في قلب المُسلم من كل ما يعوقُه، أو يُثبِّطُه، أو يصرِفُه عن عبادة الله وطاعته من لذَّات الدنيا، وطاعة الشيطان، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162، 163].


ومن معاني العيدَيْن، والحِكَم فيهما، وعموم منافعِهما: نشرُ شرائع الإسلام، وإعلانُها في الجُمَع والأعياد وجُموع المُسلمين؛ ليَعِيَها الكبيرُ والصغيرُ، والذكرُ والأنثى، والعالِمُ وغيرُه، وينقُلَها الجيلُ عن الجيلِ فلا تُغيَّر ولا تُبَدَّل، ولا يقدِرُ أحدٌ أن يُخفِيَ شيئًا من أحكام الإسلام، لما جعل الله في شرائعه من القوة الذاتية التي تحفظُه من البِدع والمُحدثات والتبديل. وخُطب العيدَيْن من الشواهد على ذلك. ومن منافع العيد وعموم خيراته وبركاته: ما يُصيبُ المُسلمين في اجتماعهم، وما ينالون من خير الدعاء، وتنزُّل الخير والرحمة والرِّضوان على جمعهم المُبارك، وتفكَّروا في جلالة هذا الحديث وقدرِه، عن أم عطية -رضي الله عنها- قالت: «أمَرَنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن نُخرِج في الفِطرِ والأضحى العواتِقَ، والحُيَّضَ، وذوات الخُدور، فأما الحُيَّض فيعتزِلن الصلاة، ويشهَدن الخيرَ ودعوة المُسلمين، ويُكبِّرنَ بتكبيرهم، ويدعون بدُعائهم، يرجُون بركةَ ذلك اليوم وطُهرتَه». رواه البخاري ومسلم. وإن من حِكَم العيد ومنافعه الظاهرة: تطهيرَ القلوب وإصلاحها، وتقويةَ روابط الأُخوَّة بين المُسلمين، والدعوةَ إلى التراحُم والتعاطُف، واستِلال الحقد والحسد والغش والبغضاء من القلوب؛ ليكون المُجتمعُ المُسلمُ مُتعاونًا قويًّا، فاجتماعُ الُسلمين في العيد يُقبِلُ بعضُهم على بعضٍ، ويُبادِرُ كلُّ مُسلمٍ أخاه بالسلام، ويتزاوَرون، ويَطعَمون، ويعطِفُ الأرحام والجيران بعضُهم على بعضٍ، فتصفُو القلوب، وتستقيمُ الأخلاق، ويتمُّ التسامُح والعفوُ عن الزلاَّت.
أيها المسلمون: إن عيدَكم عيدٌ مُباركٌ جليلٌ، شرعَه الله في هذا اليوم الفَضيل، وسمَّى الله هذا اليومَ يومَ الحجِّ الأكبر؛ لكثرة أعمال الحجِّ فيه، عن عبد الله بن قُرطٍ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أعظمَ الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القَرّ». يعني: اليوم الذي بعده. رواه أبو داود.


الخطبة الثانية:
عباد الله: إن يومَكم هذا يومٌ عظيمٌ، يومٌ يتقرَّبُ فيه الحُجَّاجُ لربِّهم بالقرابين وأعمال الحج ابتِغاءَ مرضاة الله، ويتقرَّبُ فيه من لم يحُجَّ من المُسلمين بذبح الأَضحية للربِّ -عز وجل- اقتِداءً بالخليل أبينا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، واقتِداءً بسيد البشر محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- الذي بعثَه الله بمِلَّة إبراهيم. ومن تكريم الله لهذه الأمة أن ربَطَها بتاريخها المجيد، تاريخ الهداية والتوحيد، تاريخ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، قال الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 92]. عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: قالوا: يا رسول الله: ما هذه الأضاحي؟! قال: «سُنَّةُ أبيكم إبراهيم». قالوا: ما لَنا منها؟! قال: «بكلِّ شعرةٍ حسنةٌ». رواه أحمد، وابن ماجه. وذلك أن أبانا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- أمَرَه الله بذبحِ ابنِه إسماعيل -عليه السلام- في رُؤيا نومٍ ليمتحِنَ محبَّتَه لربِّه، فبادرَ إلى ذبح ابنه مُسارِعًا، واستسلَم الابنُ الوحيدُ مُمتثِلاً أمرَ الله طائعًا، وأمرَّ السكين على حلقِه بقوَّةٍ، فحالَ الله بقدرته بين السكين وبين النفوذ بحلقه، قال الله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات: 104- 107]. وفازَ أبونا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- بمقام الخُلَّة فلم يعدِل بها ولدًا ولا زوجةً ولا مالاً ولا عشيرةً ولا وطنًا، وحتى نفسُه جادَ بها للنار في محبَّة الله تعالى، فكانت عليه بردًا وسلامًا. وصارَ هذا العملُ العظيمُ يرويه كلُّ جيلٍ من فضائل إبراهيم -عليه السلام-، ونزل فيه وحيٌّ يُتلَى إلى قيام الساعة، ولم ينَل مقامَ الخُلَّة بالله تعالى بعد إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- إلا سيدُنا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم-، كما في الصحيحين.
والأُضحيةُ من أعظم القُربات في يوم العيد، عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما عمِلَ ابنُ آدم يوم النحر عملاً أحبَّ إلى الله من إهراق دمٍ، وإنها لتأتي يوم القيامة بقُرونها وأظلافِها وأشعارها، وإن الدمَ ليقَعُ من الله بمكانٍ قبل أن يقعَ من الأرض، فطِيبُوا بها نفسًا».  وعن أبي سعيد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يا فاطمة: قُومي إلى أُضحيتك فاشهَديها؛ فإن لكِ بكلِّ قطرةٍ من دمِها أن يُغفرَ لكِ ما سلفَ من ذنبِكِ».  
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

(اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُ
21:15 - 2019/12/06
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:«وَالَّذِي ن
21:15 - 2019/12/06
اللَّهُمَّ يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى واجعلنا من أئمة المتقين
21:15 - 2019/12/06
أوصى الإسلام بالجار وأعلى مِن قدره، فللجار في ديننا حرمةٌ مصونة، وحقوق مرعيَّة، حيث قرن المولى -
21:00 - 2019/12/06
السؤال الأول
21:00 - 2019/12/06
كثرت جرائم الاعتداء على الشرف وانتهاك حركة الانسان في ذاته بسبب تفشي بعض الظواهر الغريبة التي ولد
21:00 - 2019/12/06
التحرش آفة خطيرة وداء عضال يمكن أن يطال أي شخص في المجتمع لينتهك جسده أو مشاعره أو خصوصيته ويجعله
21:00 - 2019/12/06
إن ما تعانيه كثير من المجتمعات اليوم من أزمة خطيرة في القيم والأخلاق والتخلي عن الدين قد أفرز اخت
21:00 - 2019/12/06