مرايــــــــا:يموتون بالعمل... و«نموت» بالكسل!

مرايــــــــا:يموتون بالعمل... و«نموت» بالكسل!

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/09/06

في تاريخ الأمم والشعوب قصص نجاح ارتقت لتصبح بمثابة المعجزات... وملاحم حفرت لها مكانا في ذاكرة العالم... قصص وملاحم لم تهبط من السماء ولم تكتب صدفة، بل هي كتبت بالعرق وبالدم وبالتضحيات الجسام... هذه معان يختزلها  أساسا العمل بمعنى الفعل والإثراء والإضافة.
* * *
وتاريخ الشعوب هو حلقات موصولة من العمل والفعل... والدليل هو ما تحفظه الذاكرة الإنسانية من تراث لحضارات سادت وبادت... ولشعوب فعلت فعلها في التاريخ البشري وحفرت لها مكانا في التراث العالمي... والأمثلة عديدة ويحفل بها تاريخ البشرية، وحتى لا نوغل في الغوص في ثنايا التاريخ سوف نستشهد بأمثلة قريبة منا، أمثلة حيّة نسمع ونقرأ عنها وتحكي لنا قصص نجاح لشعوب نهضت من الرماد كما يفعل طائر الفينيق بفضل العمل والإخلاص والتفاني في العمل.
لننظر الى ألمانيا والى المعجزة الألمانية، وهذا البلد دمّر مرتين في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولكنه بالعمل نهض من دماره وصنع من رُكام الحجر ومن وحل الهزيمة قصّة نجاح وتفوق هي معجزة بكل المعاني.
لننظر الى كوريا الشمالية،  وقد حدثونا في احدى الزيارات الى عاصمة بيونغ يانغ أواسط ثمانينات القرن الماضي أن المدينة دمّرت بالكامل في حرب الكوريتين ولم تنج من الدمار إلا بناية واحدة، لكنها عرفت، حين اتخذت من العمل عقيدة ومن الإرادة سلاحا لقهر المستحيل كيف تبني بلدا ناهضا يلعب في نادي الكبار.
ولنأخذ معها شطرها الآخر كوريا الجنوبية، فحين خرجت هي الأخرى مثخنة بجراح الحرب وبدمار القنابل أواسط الخمسينات كانت مصر (على سبيل المثال لأنها تقاربها في كل شيء وقتها) في ظروف أفضل، ولننظر الآن ماذا صنعت كوريا الجنوبية وكيف أصحبت ماردا صناعيا وتكنولوجيا يقارع أعتى الدول المتقدمة، وكيف ما تزال دولنا العربية تتخبط في أوحال التخلف.
* * *
هذه الشعوب والدول التي خرجت من دمار الحروب خرجت منها بحكمة هي «أمّ الحِكَمْ» وبعبرة هي «أمّ العِبَرْ» مفادها التعويل على الذات والتسلّح بالإرادة والانصراف الى العمل للنهوض مجدّدا... ولبناء دول متقدمة وتجارب تنموية رائدة تحاكي تلك التي صنعتها الدول المتقدمة والتي كانت تفوقها إمكانيات وتسبقها بأشواط في مجالات التنمية والإمساك بناصية العلوم والتكنولوجيات المتطوّرة.
لماذا تقدّمت الكوريتان ونهضت ألمانيا واليابان في زمن قياسي ولماذا نتخبط نحن العرب في وحل التخلّف والانكسار؟ وحين نحصر السؤال أكثر في حدود بلدنا تونس نقول: لماذا ينهار البلد بين أيدينا نحن معشر التونسيين والتونسيات فنعجز عن وقف النزيف الشامل والتفرّغ لبناء تجربة تنموية شاملة وتضمن سبل العيش الكريم لكلّ أفراد الشعب؟ هل عجزنا عن إيجاد وصفة الشفاء والخلاص أم أننا عمينا أو نتعامى عنها وهي ماثلة أمامنا وملقاة على رصيف التاريخ البشري؟
* * *
الوصفة تختزلها كلمة العمل والإخلاص في العمل... لكننا لا نجتهد كي نعمل بل نجتهد كي لا نعمل، ونجتهد لنعرقل من يعمل، لا نتحمّس لكي نعمل بل نتحمّس لكي نحبط من يعمل... عقلية مريضة تولد التقاعس والتواكل وتقتل الضمير وتحيل معاني الفعل والإنجاز على غرف الإنعاش. ويتمادى الجميع في عملية الانتحار الجماعية هذه ولا أحد يحرّك ساكنا لوقف النزيف وإعادة البلاد والعباد الى العمل بدل الاغراق في الجدل.
* * *
في اليابان وهي احدى الدول التي نهضت من رُكام الحرب وصنعت تجربة نجاح تدرّس لكل شعوب العالم يتخذ الناس من العمل عقيدة... فيقاطعون الإجازات ويثقل عليهم العبء فيموتون أحيانا في مواقع العمل... وتقدم لهم الإغراءات ليخرجوا في إجازات... وفي بلادنا «يموت» الناس لكن بالكسل وبكثرة البخل واللغط والجدل.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

بقلم: محمد علي الجامعي (مدنين)
20:45 - 2018/10/22
أمهلني قليلا يا قلمي لأنّ «الكلام على الكلام صعب» مع الالتزام بقاعدة «لا تقل ما لا تعلم بل قل كلّ
20:45 - 2018/10/22
كان في الزمن الغابر في السنة الثامنة بعد الثورة الموافق لسنة 2018 بعد الميلاد، خليفة لمدينة هادئة
20:45 - 2018/10/22
إن بلادنا معروفة بمناخها شبه القاري كبقية بلدان شمال إفريقيا ما يجعل أمطارها المتساقطة تتحول فجئي
20:45 - 2018/10/22
تونس داخلة في حيط... تونس في خطر... تونس مهدّدة... تونس تمرّ بمرحلة دقيقة وعصيبة جدّا...
20:45 - 2018/10/22
تُراوح الأزمة السياسيّة مكانها دون أفق واضح لتجاوزها قريبا، بل إنّ الوضع قد يكون بلغ درجة قويّة م
20:00 - 2018/10/22
شكّل الاعلان عن انصهار حزب الوطني الحرّ في حزب النداء وتكوينهما لديوان سياسي موحّد، الحدث السياسي
20:00 - 2018/10/22