بكل موضوعيّة .. ما أكثر الأسواق السوداء! (2 ـ 2)

بكل موضوعيّة .. ما أكثر الأسواق السوداء! (2 ـ 2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/02/20

كيف يمكن توصيف العالم اليوم؟ وهل هناك حاجة وضرورة لتوصيفه؟ وإلى أي مدى يمكن القنوع بتوصيف العالم باعتبار كونه قد أضحى قرية صغيرة دون معاينة ماذا يحدث في الموصوفة قرية صغيرة؟
وفي الحقيقة السبب الرئيسي لهذه الأسئلة التساؤلات هو الشعور المستبطن الظاهر بوجود حالة من الضياع في تحديد الإطار الجديد للعالم اليوم.
ولكن الأمر ليس ورديا كما قد يظهر من صورة العالم –القرية. فهذه الأخيرة تحولت اليوم إلى سوق للصفقات الدولية وللضغط فأصبحنا نتحدث عن انتداب الشباب في التنظيمات الإرهابية. وكما نعلم كلمة «انتداب» تنتمي الى معجم العمل. ويتنافس المحللون الكبار في الصحف والقنوات العالمية للكشف عن صفقات بين الدول في قضايا الساعة والأزمات العاصفة ببؤر التوتر. وهيمن المعجم الرأسمالي ومعانيه على الثقافة والفن والفكر والمجتمع ولقد انتبه أعلام مدرسة فرانكفورت مبكرا إلى ظاهرة تسليع الثقافة شأنها في ذلك شأن أي سلعة أخرى وما يقوم به غالبية المستثمرين في الثقافة والفن والإعلام من تسويق للمعاني والرموز الأكثر قوة وهيمنة في المجتمع. طبعا لا يفوتنا أن أعلام مدرسة فرانكفورت المنتمية الى المدرسة النقدية ككل، إنما مدينون في روافدهم الفكرية للماركسية وتفسيرها المادي للظواهر. 
 نحن في عالم – السوق السوداء حيث الجمال والذكاء والموهبة سلعة لمن يقدم العرض الأغلى وحتى مؤسسة الزواج أصبح التعامل معها بوصفها شركة لا إطارا للمودة والرحمة.
السؤال: أي مستقبل لعالم السوق ولثقافة السلعة والربح أولا؟
كل ما يمكن قوله إن هذا العالم لا يناسب الإنسان ولا الشعوب بدليل أنها ثقافة أهدرت من الدم ما لم يهدر في العصور السابقة التي لم يكن فيها الحديث عن الحريات وعن حقوق الإنسان حديثا جديا كما يظهر لنا اليوم. فالمشكلة ليست في السوق في حد ذاتها: السوق فضاء لا بد منه وهي –أي السوق-جزء من حياتنا اليومية. لذلك فإن المشكل عندما يصبح الجزء مهيمنا على الحياة اليومية ومحددا للعلاقات الاجتماعية وللثقافة وللعقلية.
وتتضاعف هذه المشكلة عندما تكون هذه السوق غير النظامية سوق سوداء. لذلك فنحن اليوم تتجاذبنا مجموعة من الأسواق السوداء خصوصا أن هذه الأخيرة تكثر في البلدان التي لم تحدد بوصلتها بعد ومازالت تتأرجح بين المتناقضات ولم تحسم طريقها كما هو الشأن في بلدنا تونس. حيث في كل مجال لدينا سوق سوداء: أسواق سوداء في السياسة والاقتصاد والتجارة والمال. أي أسواق موازية تحدد الواقع الاجتماعي وتتحكم فيه إلى درجة أنها عمليا هي الأسواق النظامية الشرعية المعترف بها ضمنيا والأخرى هي السوداء.
طبعا الحديث عن الأسواق السوداء هو حديث يصب في قلب الفساد وتمظهراته الرمزية القيمية تماما كتمظهراته المادية الموصوفة.
ففي تونس الأسواق الموازية أكثر من أن تحصى أو تعد والمعلوم منها قليل مقارنة بالحجم الحقيقي لها.
إن للسوق السوداء قيما وثقافة وآليات لا تنفع في البناء والتأسيس.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

من خوالد بلدتي الطيّبة أنّ المرحوم جدّي للأمّ رفض دعوة الدساترة ساخرا من تسارعهم إلى الشعبة للتقي
20:15 - 2019/03/21
بقلم الأستاذ محمد أمين بن يوسف (المحامي والدكتور في القانون والناشط في المجتمع المدني)
20:15 - 2019/03/21
إلى حد علمي والله وأنت وهي أعلم أننا نعيش مرحلة ما بعد موسم تزاوج الكوارث في «كردونتي» الانتخاب و
20:15 - 2019/03/21
تحول قيمي حضاري ذلك الذي حملته الصورة الجمالية للجزائريين منذ خروجهم الأول  في  جمعة  الثاني والع
20:15 - 2019/03/20
تناولنا في مقالنا الأسبوع السابق الحادثة المفجعة لموت الرضع في ظروف غامضة بمستشفى الرابطة المعروف
20:15 - 2019/03/20
عندما يصدم السيد الكاتب العام للحكومة على ما جرى في المدرسة القرآنية بالرقاب فماذا سيكون موقف الم
20:25 - 2019/03/18
لست أدري من أين سأبدأ؟ لقد احترت واحتار دليلي،  وأتعبتُ مادتي الشخماء..
20:25 - 2019/03/18
هذا دعائي ورجائي كل صباح جديد: «يا ستّار أستر» خشية المزيد من الكوارث والمصائب والعجائب والغرائب
20:00 - 2019/03/17