بكل موضوعيّة.. الدنيا في خطاب الدعاة (2 ـ 2)

بكل موضوعيّة.. الدنيا في خطاب الدعاة (2 ـ 2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/05/18

بدأنا في مقال الأسبوع الماضي في مناقشة ظاهرة تبخيس الدنيا في الخطاب الديني الإعلامي والمسجدي وحاولنا التوقف عند الكلمات والأفكار المهيمنة على هذا الخطاب والتي ما فتئت تتكرر تحت غطاء الزهد في الدنيا وتركيز كل الأعمال للدار الآخرة.
وأوضحنا أن التعمق في الخطاب الذي يقدمه الدعاة اليوم في المنابر الإعلامية وفي الفضاءات الدينية وتحديدا فضاء المسجد يبرز لنا أن المضمون المهيمن على هذا الخطاب هو تبخيس الدنيا والتقليل من شأنها: فهي دار ابتلاءات ولا شيء فيها يستحق التعلق أو الحزن من أجله. وهي ممر لا غير وكلما كان حظنا من متاع الدنيا قليلا أو معدوما كانت الآخرة أفضل.
كما أشرنا إلى أن خطورة خطاب تبخيس الدنيا تكمن بالأساس في تأثيره سلبيا على الشباب ويشجعه على الانغلاق والاستسلام واستعداء الطموح في الحياة والقطع مع الدنيا مع ما يعنيه ذلك من كبت للذات البشرية وقمعها الشيء الذي يجعلها بمثابة القنبلة الموقوتة. 
لذلك فنحن نتساءل أي فائدة يمكن أن نحققها اليوم في ظل مثل هذا الخطاب الذي يبخس الحياة ويحقر من شأن الدنيا ويحط من أهمية الحلم والطموح والسعي من أجل الأفضل والأحسن؟ إننا في حضرة خطاب يحاول تأصيل الطاقة السلبية اعتمادا على مستندات دينية وتوظيف تأثيرها القوي على فئة عمرية تعتبر المحرك الاجتماعي والقلب النابض للتغيير الاجتماعي. 
نعتقد أنّه هنا يكمن المأزق الحقيقي.
لقد ركزنا كثيرا على هوس الحركات السلفية الجهادية بالحكم وتجاهلنا أن هذا الهوس لا شيء -من منطلق كونه قابلا للمراقبة-مقارنة بالمشروع الثقافي لهذه الحركات. مشروع يهدف إلى إقصائنا من العالم وأن نكون في آخر القائمات في مؤشرات النمو والتنمية والتقدم. ففي الوقت الذي نعيش فيه أزمات اقتصادية حانقة ونعاني منها البطالة في أقطار عربية كثيرة وتراجع مكاسب اجتماعية أساسيّة نجد أن هذا نبرة خطاب تبخيس الحياة تشتد وتعلو بشكل يؤكد قفز هؤلاء الدعاة على الواقع وعدم صلتهم بهموم المجتمعات الإسلاميّة وأيضا استهانتهم بخطورة سوء توظيف بعض القيم مثل الزهد والقناعة وغير ذلك. فتاريخ الإسلام نفسه هو تاريخ طموح وما نشر الدعوة الإسلامية ليملأ الإسلام الأرض إلا دليلا على أن ديننا ليس زاهدا وواسع الآفاق.
كما أن تجاهل ما نص عليه الإسلام في خصوص العمل وطلب العلم وحصر الدنيا في الابتلاءات والصبر السلبي أي الصبر دون عزم على تحسين الواقع وإسعاد ما حولنا إنما يمثل نوعا من التحريف الخطير للمقاصد. 
من المهم جدا أن تنتبه بلداننا إلى خطورة هذا الخطاب في المساجد وفي وسائل الإعلام. فلا معنى لخوض مشاريع تنموية واعتماد برامج طموحة وفي نفس الوقت نفتح وسائل الإعلام وتحديدا القنوات التلفزيونية لدعاة يهدمون البرامج والمشاريع من خلال الترويج لخطاب تبخيس الحياة وتحقيرها والقنوع بالقليل في كل شيء. فالأديان جاءت لتنظيم حيوات البشر لا لقتل الحياة. فالحياة فكرة إلاهية والله خالقها.
من المهم أن نحب الحياة ونشعر بالفرح فيها والجمال وذلك بكل بساطة يقودنا إلى الله. فالله محبة وجمال ويسر ورحمة وطمأنينة وعلو الهمة. وما الابتلاءات إلا تجارب بالمعنى السوسيولوجي وظيفتها تعميق تجربة الإنسان في الحياة وجعله أقرب إلى المعاني الحقيقية وإلى الحقيقة. 
نحتاج إلى خطاب يُعلي من شأن الدنيا ويشحن شبابنا بحب العمل والطموح وحب الحياة وأخذها بقوة وجمال. وأغلب الظن أن هذه مسؤولية مؤسسات التنشئة الاجتماعية كافة وعلى رأسها الأسرة والمدرسة والمساجد ووسائل الإعلام.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أصبحت مقولة الدوعاجي «عاش يتمنّى في عنبة مات جابولو عنقود...» تنطبق اليوم علي عديد الحالات من بين
20:20 - 2019/08/19
عرفته مناضلا فذًّا، عنيدًا،صلبًا،  نشيطًا، لا يهدأ له بال ولا يفتر له عزم، يَعتصمُ، يَتظاهرُ، يحت
20:20 - 2019/08/19
يشتكي المواطن من غلاء المعيشة فكل شيء أصبح لا يطاق، أسعار الخضر ترتفع يوميا رغم كثرتها، اللحوم لم
20:20 - 2019/08/19
بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة،تعتبر هذه الدراسة طرحا لتصوُّر بعض الرُّواد المصلحين إزاء
20:20 - 2019/08/19
استفاق التونسيون صبيحة الخامس والعشرين من شهر جويلية 2019 على نبأ وفاة رئيس الجمهورية محمد الباجي
20:20 - 2019/08/19
تطرح اليوم مسألة القائمات المستقلة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكثير من التساؤلات وتثير نق
20:00 - 2019/08/19
ليس عيبا أن يحدّث المرء عن نفسه أحيانا دون مبالغة .
20:00 - 2019/08/19
حرارة ... وعيد ... وماء غائب ... ثالوث المعاناة هذه الأيام في تونس ...
20:00 - 2019/08/19