إشراقــــــــــــات...لوبيّــــــــــــــــــات

إشراقــــــــــــات...لوبيّــــــــــــــــــات

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/06/02

أحيانا يطول بي العهد على ما سبق أن تكلّمت فيه أو كتبت عنه فأنسى وأشكّ إن كنت فعلا تكلّمت أو كتبت. وعلى كلّ حال فنفس الموضوع إن عدت إليه اليوم فإنّما أعود إليه في ظرف غير ظرفه الأوّل وأطرقه بأسلوب غير أسلوبه السابق. وقد أنقص من صياغته الأولى أو أزيد عليها من وحي الحاضر. وهكذا الأفكار تتداخل في ذهن الشخص الواحد كما تتداولها الألسن والأقلام بين العباد، وتكون غالبا متقاربة متشابهة بحكم الاشتراك بين أفراد الملّة في نفس الوضع، خاصّة إذا عمّت الأزمة وأعجزت «قاضي فاس». 
فلعلّي، إذن، نبّهت إلى لوبيّات الثقافة، وخصّصت بالإشارة بارونات الجوائز، لا كأطر لتشجيع المبدع وتطوير الإنتاج بل كسوق للبيع والشراء ومجال للفساد من جملة مجالات عديدة استشرى فيها هذا الدّاء بأنواعه وأشكاله فصار هو القاعدة ، والصلاح هو الاستثناء . 
رحم الله الأديب «سي» الجيلاني بن الحاج يحيى لمكرمة خصّ بها ثالث صحبتنا، ولا أريد إحراجه بذكر اسمه ، إذ قال له بصفته رئيس لجنة التحكيم لجائزة «المدينة» للرواية مذ أحدثتها شركة « بولينا» موازاة للمدينة السياحيّة «ياسمين الحمّامات»... قال له : « اسمع يا عبد ( ...) ! أنصحك بدبارة مربحة : أقنعت ابن عياد بجائزة أدبيّة داعمة لمشروعه السياحي الكبير ، وهو كما تعلم صديق ، جربيّ مثلي ، فكلّفني بها مع عضوين أختارهما ، ولا أظنّك تعجز عن كتابة رواية فيها أجواء المدينة العربيّة بقيم الأصالة والتفتّح والسلم والتسامح ، في ظلّ سياحة يطيب بها العيش ، ولك ثمانية آلاف دينار. هيّا توكّل على الله.» وكذلك كان العمل ، ولا أبغض صاحبي . 
ليس هذا سرّا يلام مفشيه إذا قيس برسائل الكبار ومذكّراتهم وغراميّاتهم ، وإنّما هو عيّنة ممّا يحاك في الكواليس من « الدبائر» والتوافقات والمواعدات والحسابات لتقاسم خبزة المرطّبات، سواء بمناسبة الجوائز أو بمناسبة المهرجانات، حيث « لا قطّ يصطاد لربّي « كما يقول المثل التونسيّ المجرّب الصحيح. 
أقول هذا لا حاسدا لأحد المحظوظين بل متأسّفا على المبدع بصفة عامّة وهو يقيّد حرّية الفنّ ليوافق شروط الجائزة ويخضع قلمه لطلبات رئيس اللجنة أو لإيحاءاته الكاشفة عن أطماعه ، وإلاّ بماذا نفسّر استقطاب نفس التشكيلة لنفس الجائزة من دورة إلى أخرى ؟ وأشياء أخرى ! 
وقس على هذا التكريمات التي تتكرّر لواحد أو لواحدة على حساب آخرين جديرين بالتكريم والتوسيم . عيبهم أنّهم منكفئون على أنفسهم في حين يبحث غيرهم عن سبل ويوظّف علاقات لبلوغ مطمحه ولو « بالشوشرة « وحتّى بسلوكيّات دنيئة  ما دام شعاره أنّ الغاية تبرّر الوسيلة ، من الجنس إلى « البوز»  Buzz . 
فأيّ فنّ ينهض من مستنقع المال الفاسد ؟ وأيّة قيم أخلاقيّة وإنسانيّة يحتملها ما يسمّونه إبداعا عسى أن تنثر بذورها في القلوب والعقول ؟ 
إنّ طغيان المادّة على كلّ شيء كالظّلم المؤذن بخراب العمران . وإنّما العدل الذي هو في المقابل أساس العمران يأتي من المسؤول الحكيم والمشرف النزيه، وحتّى من ديوان التطهير مجازا لتنظيف المؤسّسات الثقافيّة والساحة الثقافيّة والمشهد الثقافي من المرتزقة ، وهم معروفون مفضوحون.
بمثل هذه الإرادة الفاعلة والجريئة يمكن أن نحقّق ثورة ثقافيّة لافتة لأنظار العالم وقد سلّط علينا الدّاني والقاصي أضواء كاشفة للتحقّق ممّا يسمّى بالربيع العربي في طور الانتقال الديمقراطي إن كان تغييرا جذريّا برؤية واضحة ومسار مدروس أو كان فوضى تزيد الأزمة فسادا كالطين يزداد بلّة فيغرق الجميع في الوحل متوهّمين كتلك العجوز أنّ «العام صابة»... نسأل الله حسن العاقبة. وحسبنا الله في «الحاكم»، وهو نعم الوكيل.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

كتب الاستاذ بالجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات
18:00 - 2019/10/16
سكت القلم فكثر الحديث ... رفض الكتابة فكثر الضجيج....
20:40 - 2019/10/14
إلى آخر العائدين من بؤر الحرية  إحدى عشر كوكبا وضاء في ذكرى رحيله ...
20:40 - 2019/10/14
اتّسمت مرحلة ما بعد 14 جانفي 2011 بالمواقف الارتجالية والتقديرات الخاطئة والشعارات البرّاقة التي
20:30 - 2019/10/14
أكّدت نتائج الدّور الأوّل للانتخابات الرّئاسية في تقديري الحقائق الكبرى التالية التي ينبغي التعاط
20:30 - 2019/10/14
الحصانة البرلمانية ليست ملجأ للإفلات من العقاب
20:15 - 2019/10/13
كان أمر المسلمين بينهم في عهد الرسول والخلفاء مثلما كان بين شيوخ القبائل في الجاهليّة شورى بينهم
20:15 - 2019/10/13