أين نحن من اقتصاد المعرفة؟

أين نحن من اقتصاد المعرفة؟

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/06/15

الإقتصاد البديل économie alternative  لم يعد مرتبطا ارتباطا عضويا بالمادة الأولية المستخرجة عادة من باطن الأرض بل أصبح في معظمه خدماتي والإقتصاد التقليدي بصدد الانكماش والتقهقر لفائدة الإقتصاد الأخضر البيئي وكذلك لفائدة اقتصاد المعرفة وهو الأهم، والحرب النفسية التي تدور رحاها بين الدول العظمى وخصوصا أمريكا والصين ليست سوى معركة معرفة إذ أن الحروب بين اقتصاديات العالم لن تكون سوى معرفية، تكنولوجية وإلكترونية.
واقتصاد المعرفة l›économie du savoir /knowledge economy يعتمد بالأساس على الرأسمال الفكري من إبداع ومهارة وذكاء ولقد انطلق العمل به منذ خمسينيات القرن الماضي في أمريكا واليابان وبعض دول أوروبا الغربية.
وتقدر الأمم المتحدة أن اقتصاد المعرفة يستأثر بنسبة 7 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وينمو بمعدل 10 % سنويا وجدير بالذكر أن نمو الإنتاجية في أوروبا راجع بالأساس لاستخدام وإنتاج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وهذا الاقتصاد البديل تحقق فيه المعرفة الجزء الأكبر من القيمة المضافة وهذا يعني أن المعرفة تشكل مكونا أساسيا وجوهريا في العملية الانتاجية وأن النمو الاقتصادي يرتبط بالأساس بهذا المكون القائم بصفة أصلية على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهذا يعني بالضرورة الانتقال من العمل الجسدي إلى العمل العقلي ومن إنتاج البضائع إلى إنتاج المعلومات.
وإذا كان الاقتصاد التقليدي يعتمد بالأساس على الرأسمال واليد العاملة التي تعتبر بدورها رأس مال كأدوات للإنتاج فإن اقتصاد المعرفة يتميز عنه للأسباب التالية:
- المعرفة الفكرية تمثل الرأسمال الرئيسي مما يجعلها المصدر الأساسي للثروة ومنه للسلطة بما في ذلك السلطة السياسية.
- اقتصاد المعرفة ليس منغلقا على نفسه بل مفتوحا على العالمية ويدفع نحو التكامل الاقتصادي الدولي.
- اقتصاد يتميز بالتنوع والثراء ويلبي حاجيات الأفراد والجماعات على حد سواء وفي جميع مجالات الحياة.
- قوة العمل تكمن في الكيف وليس في الكم وترتكز على مهارات عالمية قابلة للشراكة والتكامل.
- تلاشي قيمة العنصر الجغرافي إذ أن المعرفة لم تعد حبيسة المكان وتعتمد على أسواق افتراضية تتجاوز الحدود الجغرافية.
ولكسب رهان الاقتصاد المعرفي لا بد من رأس مال بشري غاية في المهارة وبنوعية عالية وهذا يتطلب لا محالة تثوير آليات التعليم منذ بداياته الأولى بما يتماشى والمعايير الدولية المعاصرة ضرورة أن التعليم التقليدي، كما هو الحال في تونس، أفلس ولم يعد مواكبا للتطور المعرفي المهول الذي يشهده العالم وخير دليل على ذلك ما صرح به أخيرا وزير التربية في خصوص المعدلات في مادتي الرياضيات والعلوم.
إذ أنه لا بد من جعل التطور التعليمي رافدا من روافد التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمعنى العصري للكلمة وعنصرا من عناصر التخطيط لهذه التنمية.
وحسب البنك الدولي فإن ازدهار اقتصاد المعرفة يشترط بالأساس أربع ركائز:
- نظام تعليمي سليم.
- نظام اقتصادي ومؤسساتي قوي.
- بنية تحتية معلوماتية.
- نظام خاص بالابتكار.
ولسائل أن يسأل عما إذا كانت الدول العربية أعدت العدة لركوب قطار المعرفة العلمية بما يتماشى والمعايير الدولية؟
حقيقة، وفي غياب الإحصائيات العلمية الدقيقة لا يمكن الجزم بشيء، لكن الغالب على الظن أن الشعوب العربية مسكونة بحبها للفنون والإنسانيات  وبالتالي بعيدة كل البعد عن التطور العلمي عدا بعض المساهمات المحتشمة هنا وهناك وأن الجهد ينصب بالأساس على استعارة المعرفة التكنولوجية وليس امتلاكها وفاقد الشيء لا يعطيه.
وتفيد الإحصائيات الدولية أن اقتصاد الدول العربية لازال اقتصاد موارد وليس اقتصاد معرفة وأنها تتبوأ مراكز متدنية في مؤشر التنافس العلمي العالمي.
مصر مثلا، تحتل المركز 94 على 140 دولة حسب مؤشر التنافسية لسنة 2018 في حين أن إسرائيل على وشك أن تكون من أوائل البيئات المعرفية الابتكارية ومتقدمة على عديد البلدان الأوروبية ومنها بريطانيا،كيف لا وهي في المركز الأول عالميا من حيث الإنفاق على البحث والتطوير.
كذلك إيران حائزة على المركز الأول إقليميا في اقتصاد المعرفة وأمريكا تحسب لها ألف حساب بدلالة التصريح الأخير لترامب في اليابان الذي تحول من التهديد والوعيد إلى أن يخطب ودها " لا أبحث عن إيذاء إيران إطلاقا، الإيرانيون عظيمون ولديهم فرصة ليكونوا دولة عظيمة وذات قيادة "  وهنا تجدر الإشارة إلى أنه من المستحيل أن تدخل أمريكا في حرب عسكرية مع إيران ولئن حلم بذلك البعض في المنطقة ولا زالوا يحلمون، إنها مجرد أضغاث أحلام ، فالعم سام لا يغامر ولا يقامر، وعدم إعلان الحرب على كوريا الشمالية وهي شوكة في حلقه خير دليل على ذلك...
لا مراء في أن حجم الإنفاق على البحث والتطوير والأعمال الإبداعية دون المأمول في الدول العربية التي لازالت مهتمة بالاستثمار في البناء والتشييد أي في الحجر وليس في البشر وقليلا ما نجد محاضن ومخابر علمية تكنولوجية  بمواصفات دولية كما نادرا أن يكون القطاع الخاص مساهما فيها بشكل مؤثر والحل حسب رأيي يتمثل في وجوب احتضان رأس المال المالي لراس المال البشري الموهوب والماهر "parrainage" باعتبار أن الدول النامية غير قادرة على تحمل العبء بمفردها عدا بعض الدول الخليجية الغنية.
اليابان مثلا، يمول القطاع الخاص بنسبة 63 % من أنشطة البحث والتطوير وفي أوروبا بنسبة 55 % تقريبا.
في تونس مثلا، لا أرى وجودا لاقتصاد المعرفة ولا أرى مردودية للمعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية MDICI  وكذلك لمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والإجتماعية رغم إحداثه منذ سنة 1962 وغيرها من المراكز القطاعية المختصة، فلا تدبير ولا تخطيط لإنتاج المعرفة بمواصفات عالية الجودة وتنافسية على المستوى الدولي وهنا يثور السؤال عن جدوى اتفاق أليكا accord aleca مع أوروبا في غياب قدرة معرفية تنافسية؟
حقيقة، وجب الاستثمار في أبنائنا بارعي الذكاء المتفوقين وليس ارسالهم إلى أوروبا وأمريكا وكندا للدراسة والبقاء هناك بل لا بد من ابقائهم في بلدهم وأن نوفر لهم تعليما جامعيا عالي الجودة يتماشى والمواصفات الدولية ثم قطاف الثمار وذلك ليس على الدولة بعزيز لما تتوفر الإرادة السياسية...
فلا مهرب من مواجهة الانفجار المعرفي الموغل في التحدي والذي أصبحت عملية ترويضه واحتوائه من أقصى التحديات التي تواجه الأمم المتقدمة ما بالك بالأمم المتخلفة ضرورة أن المعرفة أصبحت أهم مورد إقتصادي وأهم سلعة تجارية.
وإنه لا بد من حشد الذكاء الجمعي لمطاردة أسباب التخلف والتوق لعصر أجمل بكل معاني الجمال بأدوات معرفية متطورة مع امتلاك مقومات الثقافة العصرية الممزوجة بأدوات التكنولوجيا الحديثة.
فالمستقبل لمن يملك ثروة المعرفة, رواندا تطلق أول قمر صناعي للاتصالات وتوفر الإنترنت مجانا لمواطنيها وتسعى لأن تكون جامعاتها من أعلى طراز على شاكلة جامعة هارفارد الأمريكية، مثال يحتذى به...
العلم والمعرفة هما الحل ومن يرى خلاف ذلك فهو من أبناء الموتى وأنضاء القبور الجامدة.
يقول الفيلسوف نيتشة "المعرفة هي التعبير عن إرادة القوة "...
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

رحل الرئيس (ايفو موراليس) عن الحكم في بوليفيا وكان اول رئيس لها من السكان الاصليين في انقلاب مغلف
20:15 - 2019/11/20
كل الأزمات التي تعيشها بلادنا وغيرنا من اشقاء"الربيع العربي" أزمةُ حُكمٍ.هي إذن أزمةٌ سياسيةٌ..
20:30 - 2019/11/18
بقلم الناشط الحقوقي سهيل بيوض (رئيس جمعية فورزا تونس)
20:30 - 2019/11/18
إعداد وتقديم: فتحي بن سعدة متفقد مركزي ورئيس مصلحة بالإدارة الجهوية للملكية العقارية ببن عروس
20:30 - 2019/11/18
تخرجت منذ سنين حاملا في ملف أصغر شهادة مهندس مسكينة هاته الشهادة ومسكين انا لقد قامت شهادتي التعي
20:30 - 2019/11/18
أن يكون الغنوشي رئيس البرلمان لم نسمعه صراحة إلّا من شكيب.
20:00 - 2019/11/15
لقد استمعتُ لكلّ ما قيل عن برنامج النهضة الذي تَتَسَوَّقُ به هذه الأيام بحثا عن من يقبل هذه البضا
20:15 - 2019/11/13