مقدمات للمطر .. مسؤولية الاتحاد ووطنية الحكومة:.. حين يكون الحوار طريقا للوفاق

مقدمات للمطر .. مسؤولية الاتحاد ووطنية الحكومة:.. حين يكون الحوار طريقا للوفاق

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/02/14

كما توقعنا في مقدمات الأسبوع الماضي (الشروق 6 فيفري 2019) تنفس التونسيون الصعداء بعد أن توصلت الحكومة والمنظمة النقابية المركزية (الاتحاد العام التونسي للشغل) إلى اتفاق من شأنه أن ينهي أزمة الثلاثة أشهر التي شلت ٪80 من مؤسسات التعليم الثانوي والإعدادي التي يؤمها 900 ألف تلميذ وجدوا أنفسهم خارج المدارس محرومين من حقهم الدستوري في التعليم والمعرفة مما جعلهم يخرجون إلى الشارع ثائرين محتجين معبرين عن رفضهم لصراع نقابي سياسوي هم ضحاياه.
الاتفاق بين الحكومة والنقابة المركزية أبعد كذلك من جهة أخرى شبح الإضراب العام في الوظيفة العمومية والمؤسسات شبه العمومية الذي كان مقررًا خلال هذا الشهر.
لقد بلغت دوائر الأزمة التي عاشت على إيقاعها عودة العلاقة بين الحكومة والاتحاد مرحلة اللاعودة وصفها الملاحظون بأنّها «تهدد انهيار التوازنات الهشة التي تحكم مرحلة الانتقال الديمقراطي في ظل تعاظم المخاوف من سنة دراسية بيضاء ومن إضراب عام جديد في قطاع الوظيفة العمومية» خاصة أن التونسيين لم يتجاوزوا بعد الصور القاتمة للإضراب العام لسنة 1978.
لقد تم تسوية النقاط الخلافية بين الطرفين (كما توقعنا) والأهم اليوم عندنا محاولة بلورة قراءة تحليلية رصدا للدروس التي خلقتها هذه الأزمة المستفحلة بين الحكومة والنقابة والتي كادت نتائجها أن تكون كارثية على مختلف الأصعدة.
لقد كشفت الأزمة على المستوى النقابي عن اتقاد جذوة وعي التيار الاصلاحي الوطني الذي يقود المنظمة النقابية منذ تأسيسها والذي عود التونسيين على مراعاة مصلحة البلاد وسلمها الإجتماعي قبل كل اعتبار جاعلا التهديد بالإضراب القطاعي أو العام مجرد ورقة ضغط على الحكومة عبر ثنائية التفاوض والحوار في إطار الإمكانات المتاحة.
لقد واجه هذا التيار الوطني الإصلاحي داخل المنظمة النقابية خلال هذه الأزمة تيارا آخر مضادا أسماه البعض بالتيار النقابي الأحمر (الفوضوي)، المطلبية النقابية عنده ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة لإسقاط النظام. ويقول المختصون في أدبيات النقابات وتاريخها بأن هذا التيار موجود في كل النقابات وأعرقها. ولكن تأثيره يبقى ضعيفا. وفي الحالة النقابية التونسية فإن الاتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه من قبل زعيمه الأول فرحات حشاد ظل شريكا وطنيا في استقلال البلاد وبناء الدولة وتحقيق السلم الاجتماعية.
لقد أعطى هؤلاء النقابيون (الفوضويون) صورة للمنظمة النقابية المركزية (الاتحاد العام التونسي للشغل) لم يألفها التونسيون الذين بادروا تلاميذ وأولياء بالاحتجاج رافعين شعارات تدين قيادة الجامعة التونسية للتعليم الثانوي ممثلة في القيادي الأول لهذه المنظمة «الأسعد اليعقوبي».
ولهذه الأسباب وغيرها أخذ أمين عام المنظمة على عاتقه مسؤولية قيادة التفاوض مع الوفد الحكومي. تقول مصادر خاصة بأنه «وضع تاريخ المنظمة النقابية وتاريخه الشخصي على المحك» من أجل الوصول إلى حل يرضي ولو جزئيا مطالب سائر الموظفين ولا يرتهن الدولة وإمكانياتها مما يوجب التحية لأمين عام الاتحاد على روح المسؤولية الوطنية والغيرة على المنظمة وتاريخها.
هذه المصادر نوهت كذلك بالجهود التي بذلها وزير الشؤون الاجتماعية «محمد الطرابلسي» (ذو المرجعية النقابية) الذي كان له الدور الحاسم في إبقاء العلاقة متواصلة مع الطرف النقابي حتى في أدق الظروف وأصعبها خلال المفاوضات مما حال دون القطيعة وبالتالي التوصل الى حل يرضي جميع الأطراف ويخرج البلاد من النفق المسدود.
المؤمل إذن أن تنأى النقابة المركزية مستقبلا عن الشكل المتوحش للاحتجاج والمتمثل خاصة في مقاطعة الامتحانات وإيقاف الدراسة مما يحتم إيجاد مدونة سلوك عامة داخل المنظمة النقابية تقول مصادر خاصة «سيأتي موعدها خلال الأسابيع القادمة».
إن الحكومة وإن كانت لا تزال في مرمى الأصدقاء قبل الأعداء على غرار حزب نداء تونس وتيارات أخرى داخل الجبهة الشعبية ورئيس الجمهورية الذي لم يغفر للابن الروحي (يوسف الشاهد) خروجه عن جلباب أبيه وإعلانه بعث حزب جديد «تحيا تونس» لخوض غمار الانتخابات القادمة بما يعني طي ملف الماضي والمضي وحيدا مع مريدين جدد الى آفاق أخرى. 
هذه الحكومة قد أصابت أكثر من عصفورين بحجر واحد. فهي حققت وئاما مع الاتحاد. وكسبت جمهور الأساتذة والمربين والأولياء والتلاميذ. وأسست لمرحلة جديدة من السلم الاجتماعية. وقطعت خطوات معتبرة في الطريق الى الاستحقاق الانتخابي. كل ذلك في ظل الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها مع كل الأطراف الدوليين وخاصة إزاء المانحين الخارجيين. وقد جعلتها الأزمة مع ذلك تلتفت الى ضرورة تفعيل المجلس الوطني للحوار الاجتماعي حتى يكون الإطار الأمثل مستقبلا لهذا الحوار تلافيا لمأزق التفاوض الوحشي والتطرف النقابي. 
لم يبق إذن أمام الجميع سوى الانصراف الى العمل والوقوف لتونس.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

عندما يصدم السيد الكاتب العام للحكومة على ما جرى في المدرسة القرآنية بالرقاب فماذا سيكون موقف الم
20:25 - 2019/03/18
لست أدري من أين سأبدأ؟ لقد احترت واحتار دليلي،  وأتعبتُ مادتي الشخماء..
20:25 - 2019/03/18
هذا دعائي ورجائي كل صباح جديد: «يا ستّار أستر» خشية المزيد من الكوارث والمصائب والعجائب والغرائب
20:00 - 2019/03/17
أسبح وسبّح للجمهورية الثانية..
20:00 - 2019/03/17
صهيوني الهوى والمزاج...
20:00 - 2019/03/15
حتّى الربيع تعرّب وأصبح ربيعا عربيا في أريافنا وحقولها ومزارعها وأجنتها.
20:00 - 2019/03/15
أمسيت وبتّ وأصبحت وأضحيت...
20:15 - 2019/03/12