محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور

محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/08/31

إعجاز القرآن ( 3 )

استمر النبي ﷺ يتحدى الناس جميعا كما يدل عليه نص القرآن بدون رجوع الى اخبار السنة او السيرة او غيرها بان يعارضوا هذا القران وانهم ان استطاعوا ان يعارضوه فقد ثبت حقهم في عنادهم وان لم يستطيعوا فقد كان عجزهم عن المعارضة برهانا على انه من عند الله. فهذا المعنى وهو الراجع الى الركن الثاني هو قصد الاعجاز، وهو الذي نعتبره معنى ثبت بصورة ايجابية واقعية في نصوص القران العظيم وخلت منه بصورة سلبية مطردة بعد الاستقراء التام في جميع ما بين ايدي الامتين من اليهود والنصارى من نصوص الوحي التي اشتمل عليها العهد القديم والعهد الجديد.
واما الناحية الثالثة وهي طريقة النقل وهي طريقة ترتبط بالركن الثاني الذي هو القصد فانه لما كان القصد من القران العظيم الاعجاز والتحدي فانه لم يأت موجها الى خصوص المؤمنين به المطمئنين الى صدقه المستعدين لاتباع تعاليمه ولكنه جاء موجها الى المؤمنين والجاحدين اكثر مما هو موجه الى المؤمنين فالنبي ﷺ كان يتلوه على رؤوس الاشهاد والله تعالى امره بان يتلوه على الاضداد وامره ان يعتبر ذلك اظهار الخارق العادة المقرون بالتحدي الذي هو المعجزة. فكان من طبيعة هذا ان يجعل الاضداد المقاومين للدعوة الاسلامية المعاندين لها اكثر اعتناء بالقران العظيم من المؤمنين به لان المؤمنين به يهتدون به وبغيره من كلام النبي ﷺ ومن سيرته ومن هديه اما المعاند فانه يتلقاه تلقي القارعة التي نزلت عليه ويحاول جهده ان يتوصل الى معارضته وان ينتقض معنى التحدي الذي بلغ باعتباره اليه القران العظيم فيكون اعتناؤه به اعتناء الخصم بحجة خصمه واعتناء المجادل ببينات الذي يجادله في امر يعتقد كل من المتجادلين فيه خلاف ما يعتقد الاخر. ومن هنا اصبح نقل القران العظيم وشيوعه ليس خاصا بالامة التي آمنت به وتعبدت به ولكنه نقل بشيوع مشترك بين المؤمنين وغير المؤمنين، بين المؤمنين والجاحدين. وذلك ما حقق له طريقة النقل غير الانفرادي التي نعبر عنها نحن في مصطلحنا بالنقل بالتواتر. 
وهنا ينبغي الاشارة في ايجاز الى ان التواتر الذي اعتبره علماء المنطق وعلماء الكلام وعلماء اصول الفقه طريقا قاطعا من طرق النقل وتبليغا للخير ثابتا ثبوت اليقين هو ليس امرا راجعا الى الكثرة ولا الى عدد معين كما توهم ذلك بعض الباحثين في التواتر وانما هو راجع الى ما اشار اليه في تعريف التواتر علماء الاصول من كونه اتفاق عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب واستحالة التواطؤ على الكذب لا تأتي من الكثرة العددية وانما تأتي من اختلاف المبادئ واختلاف المواقف واختلاف الافكار واختلاف المصالح. بحيث انه لا يمكن ان تكون لاحد الطرفين المتفقين على الاخبار او الاطراف المتفقة على خبر من الاخبار لا يمكن ان يكون لها من المصالح ولا من المبادئ ما يتفق مع ما يكون للطرف الاخر بصورة تجعل الاتفاق اذا وقع قرينة على ان الامر ليس فيه تآمر ولا اتفاق على الكذب ولا على الاختلاف. وذلك هو الذي جعل التواتر يعتبر طريقا قطعيا من طرق نقل الاخبار .فاذا رجعنا الى الامم فاننا نجد طريقة النقل للكتب السماوية عندهم طريقة معتمدة على معنى الاخبار الذي يشيع بين عنصر واحد هو العنصر المؤمن بذلك الكتاب وذلك ما يجعل الخبر راجعا الى اصله غير قائم عليه من التواتر ما يجعله خارجا عن الاصل في الاخبار الذي هو احتمال الصدق والكذب زيادة على ان نقل القران العظيم انما كان في احتمال الصدق والكذب زيادة على ان نقل القرآن العظيم انما كان في اصله بالطريق الشفهي بطريق الحفظ والتلقي اللفظي وشيوع النص من حافظ الى حافظ من المؤمنين المطمئنين اليه ومن غير المؤمنين الحريصين على معارضته ورفضه الذين كانوا يحتفظون بنصوصه لاجل ما يريدون من النقض عليها.
واما الناحية الرابعة وهي ناحية اللغة فانها ترجع الى معرفة اللغة التي كانت لغة البيئة التي صدر عنها الوحي في كل من الطرفين المتقارنين والى رجوع ذلك الكتاب الى اللغة التي كانت لغة تلك البيئة. فاننا نعلم ان القران العظيم انما يوجد لفظه الذي هو مشهود بين ايدي الناس الان على اتفاق بين مؤمنيهم به وغير مؤمنيهم انما هو اللفظ العربي الذي هو لفظ اللغة التي كانت لغة البيئة التي نزل فيها القران. فاذا اخذنا عصر نقول القران وعصر شيوع اللغة العربية في البيئة التي نزل القران فيها فانه يتبين لنا ان القران العظيم في نصه الذي بين يدينا الان انما هو بلغة عصره وبلغته الاصلية فنلاحظ ان القران اذا نظرنا اليه نظرا اسلاميا بالنسبة الى واقعنا نحن فاننا نجد ان القران العظيم يعتبر بالنسبة الى هذه الامة عامل الايمان لانه اذا كان هو المعجزة وكان هو لسان الدعوة فان كل من امن برسالة من الرسالات انما استجاب الى دعوتها وصدق بمعجزتها.
يتبع

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

كانت نشأة علم اصول الفقه لاجل ضبط مواقع الخلاف بين امصار الفقهاء التي تأسست بفقهاء الصحابة رضي ال
20:30 - 2018/11/09
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:30 - 2018/11/09
اعتنت كل الديانات السماوية بالأخلاق فبعث الله الرسل والنبيين عليهم أفضل الصلاة والسلام للمساهمة ف
20:30 - 2018/11/09
تعتبر الاخلاق اخطر المبادئ واكثرها تأثيرا في المجتمع واكثرها قدرة على تكييفها سلبا او ايجابا .
20:30 - 2018/11/09
         
20:30 - 2018/11/09
العنف سمة من سمات الطبيعة البشرية، وعلى مدى التاريخ نجد شواهد تدل على لجوء الإنسان إلى العنف استج
20:30 - 2018/11/02
 تكاثرت خلال الايام الاخيرة عديد مظاهر العنف في مجالات مختلفة سواء كان ذلك في مجالات الارهاب او ف
20:30 - 2018/11/02
إن ما يلفت النظر في السنين الأخيرة تنامي ظاهرة العنف بأنواعه في المجتمع التونسي  وازدياد معدل الج
20:30 - 2018/11/02