الشكر على النعيم يرضي الرحمان

الشكر على النعيم يرضي الرحمان

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/08/30

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ وصاحبيه نزلوا أضيافا على رجل من الأنصار، وكانوا قد أخرجهم الجوعُ من بيوتهم، فجاءهم الأنصاريُّ بماء عذب وعِذْق فيه بُسرٌ وتمر ورُطَب ثم ذبح شاة، فلما أكلوا ورووا قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده لتُسألُنَّ عن هذا النعيم يومَ القيامة، أخرجَكُم من بُيوتكم الجوعُ، ثم لم تَرجعوا حتى أصابكُم هذا النعيم). وعند الترمذي: (هذا - والذي نفسي بيده - من النعيم الذي تُسألونَ عنه يومَ القيامة، ظلٌّ بارد، ورُطَبٌ طيِّب، وماءٌ بارد). لذلك كان جابر بن عبدالله رضي الله عنهما إذا سُئل عن هذه الآية قال: النعيمُ مَلاذُّ المأكول والمشروب.
والنبي ﷺ يقول: (إن أول َما يُحاسَب به العبدُ يوم القيامة أن يقالَ له: ألم أُصحَّ لك جسمَك وأُرَوِّك من الماء البارد). قال القاضي عياض: المراد السؤال عن القيام بحقِّ شُكره سبحانه وتعالى على نِعمه. فإذا كان السؤال يوم القيامة عن نعيم غِذاء البدن، من شَربة الماء البارد فما فوقها، فكيف بالنعيم الذي ساقه الله إلى عباده ليكون غذاء لأرواحهم، وقُوتا لقلوبهم، وَحْيا أوحاهُ الله من فوق سبع سماوات إلى رسوله علما نافعا، وكتابا محكما، ودينا قيّما؟! قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ﴾ [الشورى: 52]. قال السعدي رحمه الله في بيان معنى الروح في الآية السابقة: (هو هذا القرآنُ الكريم سماه الله روحا، لأن الروح يحيا بها الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير، وهو محض منة من الله على رسوله وعباده المؤمنين من غير سبب منهم).
فنعمةُ الوحي - كتابا وسنة - من أجَلِّ النِّعم التي ينبغي على المسلم أن يجتهدَ في شكرها، قال تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا ﴾ [الأنعام: 122]، وقال: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّا عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ﴾ [الملك: 22]، وقال: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرا وَإِمَّا كَفُورا ﴾ [الإنسان: 3]. قال العارفون: (شكرُ العامَّة على المطعم والمشرب والملبس وقُوْتِ الأبدان، وشكرُ الخاصَّة على التوحيد والإيمان وقُوْتِ القلوب).
ولهذا كان محمدُ بن كعب رحمه الله يؤوِّل الآيةَ فيقول: (النعيمُ ما أنعمَ الله علينا بمحمد ﷺ)، قال عز وجل: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [آل عمران: 164] الآية. وكان من عظيم فضل الله على عباده أن جعلَ كتابه محكما مفصلا، عزيزا مجيدا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مبَيَّنا لا غموض فيه ولا لبس، ولا اختلاف ولا تعارض، شفاء للقلوب والأبدان، وهدى ورحمة للإنس والجان، تكفَّل الرب بحفظه فقال: ﴿ نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، فلا تطالهُ يد التحريف، ولا يطرأُ عليه التغيير والتبديل إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومن عليها.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

فَرَضَ علينا ربُّنا الاستقامة على طاعته، وذلك بسلوك الصِّراط المستقيم، وهو الدِّين القويم، مِن غي
20:15 - 2019/09/20
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:15 - 2019/09/20
يحل علينا العام الهجري الجديد باليمن والبركة وهي مناسبة يتذاكر فيها المسلمون سيرة نبيهم وظروف وأس
20:30 - 2019/08/30
هو زيد بن الخطاب -رضي الله عنه- أخو عمر بن الخطاب لأبيه، وكان أكبر منه سنا، وأسلم قبله واستشهد قب
20:30 - 2019/08/30
قال الله تَعَالَى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} الحج [19]
20:30 - 2019/08/30
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:30 - 2019/08/30
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن
20:30 - 2019/08/23
كان مما شرعه الله تعالى أن عقد بين المسلمين أخوةً أوجب لها حقوقًا وواجبات وسننًا ومستحبات؛ والأخو
20:30 - 2019/08/23