إشراقــــــــــــــــــات..شهــــــــــوة ميّت

إشراقــــــــــــــــــات..شهــــــــــوة ميّت

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/05/11

أحيانا تخطر ببالي ، و بالأحرى تنتابني أو تتملّكني أفكار لا أدري أكانت صادرة عن ضميري و عقلي أم كانت هلوسة من ظنّي أو وسوسة من شيطاني . 
مثل تلك الأفكار حيرتي في أمري إذا حانت ساعتي و أنا لا أدري بأيّ أرض أموت  أأصيهم بدفني في تربة الأجداد في تلك البلدة الطيّبة أم أخفّف عليهم محنة النقل فأرتضي حفرة  بالجوار  قريبة المزار . على أنّي أفضّل خيرا منهما من أرض الله الواسعة فأشتهي ركنا بمقبرة النصارى حيث أجاور ضحايا الحرب العالميّة الثانية من الأنقليز قرب مجاز الباب أو من الفرنسيس قرب برج العامري أو من الأمريكان قرب وادي الزرقاء ، و كلّ على دينه و إن كنّا نعبد ربّا واحدا . 


ذلك لأنّي كلّما رأيت مقابرهم في التلفزة أو على الطريق رأيت التقدير الذي يكرّم به أحياؤهم أمواتهم جليّا في نظام القبور و أكاليل الزهور و الحراسة الدائمة و العناية الشاملة ، لكأنّها الحدائق الرائعة و المنتزهات البهيجة ، بل هي الحياة لا الموت . و ذلك لأنّي ، في المقابل ، إذا زرت السابقين من أهلي تعثّرت بين القبور وحاذرت المبعثر منها أن ينهشني ثعبان وتأسّفت لمظاهر الإهمال من الأوساخ و الحشائش و استنكرت توسّع الجديد على حساب القديم . هذا في وضح النهار ، أمّا في ظلام الليل فأتخيّلها مأوى الجان و مجمع العبابيث . وأشعر بها رهيبة مخيفة فينفطر قلبي حسرة  و أسفا على أحبّ الناس إليّ وقد تركتهم  لعذاب  الوحشة ومذلّة الوحدة و رعب القفر إلى يوم يبعثون و لا أدري إن كانوا في قبورهم يقيمون أم كانوا ينزلون بها في تلك الأيّام المعلومة التي نزورهم فيها احتفالا بالأعياد و المواسم . 


ولا شكّ أنّهم مستاؤون من تقصيرنا في حقوقهم علينا من الزيارة و الصيانة و الصدقة و التلاوة. و لعلّهم غاضبون علينا إذ يروننا نسير على غير هدى، و نتصرّف بغير الصواب من دون استئناس بتجاربهم و استنارة بحكمهم، و نتبجّح بتقدّمنا عليهم، و نصدح بانتقادنا لهم. بل، لعلّهم يسخرون منّا إذا كرّرنا أخطاءهم لجهلنا بالتاريخ إلى حدّ خسارة المستقبل. 
وأغلب الظنّ أنّ آبائي وأعمامي وأجدادي، من ذلك الجيل الكريم - رحمة الله عليهم أجمعين - قد هجروا تلك القبور وصاروا يقاسموننا بأرواحهم هذه الدور، ونحن لا نراهم، وهم إلينا ينظرون ومنّا يسمعون، ونحسبهم في البرزخ ينتظرون. أنا أكاد أصدّق أحلامي. حينئذ لا فرق بين من سقط في الحرب ومن غرق في البحر ومن فني في الفضاء ومن احترق في الهواء ،لا فرق بينهم و بيني أينما ردم أهلي رفاتي في ذلك اليوم إذا أتى . وإنّ غدا لناظره قريب.والله يفعل بعباده ما يشاء. 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أنا في الحقيقة لست ناقدا سينمائيا ولست مختصّا في دراسة الاعمال الدراميّة.
10:01 - 2019/05/26
انتهى مسلسل المايسترو مخلفا وراءه متعة فنية لدى المشاهد التونسي الذي يمتلك ذائقة رفيعة للفن و يعد
09:59 - 2019/05/26
« أطير بجناح واحد» قالها الشابي في صورة شعريّة مجازيّة معبّرة عن أسفه وعجزه لجهله باللغة الفرنسيّ
20:15 - 2019/05/25
وهنالك فريق آخر يؤمن بالآخرة وهم لا يعتقدون أنّهم «ضعاف العقول» ومشكلة العقاب مطروحة بالنسبة لهم
20:15 - 2019/05/25
 تحت هذا العنوان «أهلا رمضان» سأحاول الوقوف على جوانب من فكر محمّد الطالبي حول الإسلام  وسيكون هذ
20:15 - 2019/05/24
...وكل السياسات التي لم تستطع بل استعصى عليها تغيير الواقع نظرا الى اتصافها بعدم الواقعية فإننا ن
20:15 - 2019/05/24
في 12 أفريل 2018 جاءتنا الدكتورة راضيكا سوبرامانيام الأستاذة بمعهد نيويورك ذات الأصول الهنديّة مت
20:00 - 2019/05/23
«يا أهل تونس حثوا مطيكم  فما الحياد إلا من الغلط»
20:00 - 2019/05/23