هل يجب إعادة النظر في اختبارات الباكالوريا رياضة ؟

هل يجب إعادة النظر في اختبارات الباكالوريا رياضة ؟

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/06/10

توفر التربية البدنية والرياضة للتلاميذ فرصا مختلفة من التعبير الجسدي واللفظي والعاطفي والعلائقي يستجيب لأهداف علم أصول التدريس النشط والديناميكي بفضل طبيعة الأنشطة التي يقترحها، استنادًا إلى الألعاب والحركات، ينبغي  علينا أن نحاول تفهم السبب في أن الأنشطة البدنية والرياضية المهمة جدًا في ثقافة العالم الحديث وفي البرامج التعليمية في كل الدول المتطورة تواجه في تونس  التهميش والتراجع في المنزل وفي المدرسة  ولا يتم الاهتمام بها الا في امتحان البكالوريا فتتحول الى حقل للمتاجرة والمزايدات والحسابات المتصلة بالعدد لا غير. على الرغم من الجهود المبذولة من قبل وزارتي التربية وشؤون الشباب والرياضة. وهكذا يُحرم تلاميذ المدارس الابتدائية والاعدادية والمعاهد الثانوية من الأنشطة التي تلبي الاحتياجات الأساسية وتساعدهم على إنفاق طاقاتهم،

وتحرير أنفسهم من الضغوط المتعددة، وتنمية قدراتهم البدنية وتطوير مهاراتهم الحركية هذا الامر يمكن ان يعكس حالة ذهنية سلبية، وله بالتأكيد تداعيات مؤلمة على العديد من التلاميذ المتحفزين لممارسة الرياضة دون يجدوا الى ذلك سبيلا. أما بالنسبة للأطفال في المدارس الابتدائية، فإن وضعهم أسوأ. إنهم يعيشون مفارقة ربما فريدة من نوعها توجد بالفعل جداول تحتوي حصصا للتربية البدنية لكن الممارسة غير مضمونة لغياب الفضاءات ولانعدام التجهيزات إذا استثنينا الحالات النموذجية. يميل المسؤولون عن قطاع الشباب والرياضة إلى إخفاء هذا الواقع المتمثل في وجود تربية بدنية شبه معدومة في المدارس الابتدائية خاصة. ويدعي البعض أن هناك برامج تدريس رسمية في هذا المجال (مع إغفال القول بأنها غير مطبقة الا نادرا).


لست ممن يرغبون في التنديد بأوجه القصور في دعم البرامج والأنشطة الرياضية في المدارس غير أنى أميل الى تحميل وزارة الشباب والرياضة المسؤولية في نشر التربية البدنية والرياضة في المؤسسات التربوية فهي تتحمل المسؤولية دون سواها لعدة اعتبارات أهمها أنها هي المشغل الأساسي لمدرسي التربية البدنية ممن يزاولون مهامهم في الفضاء التربوي.  وطبيعي أن التلاميذ التونسيين الذين يصلون إلى المرحلة الإعدادية الثانوية دون كفايات حقيقية في المجال الرياضي والأنشطة البدنية.  حيث أن جزء منهم لم يتلقوا أي تعليم نفسي في رياض الأطفال أو التربية البدنية في المدرسة الابتدائية! تبرز لنا الوقائع أن عددا قليلا جدًا من التلاميذ يمكن ان يكون قد استفاد من خمسة وأربعين دقيقة من النشاط البدني الأسبوعي، ومما تمت برمجته كألعاب رياضية في التعليم الابتدائي.  كما ان عددا قليلا جدًا من التلاميذ يمارسون الرياضة خارج المدارس في الاكاديميات والمراكز الخاصة بمقابل مشط ويخضع أباؤهم الى الابتزاز والاستغلال المالي.


اما في المرحلة الإعدادية والثانوية يجد المراهقون عددًا محدودا من أماكن وبرامج النشاط البدني وغالبًا  ما يلعب المراهقون على أرض صخرية أو طينية أو متربة وفقًا للمواسم.  كما ان مناطق العدو والقفز والجمباز لا تتوافق دائمًا مع القواعد الرسمية للسلامة. علما بان وزارة التربية انطلقت خلا ل السنتين الدراستين 2009 و2010 في حملة أكثر تنظيماً وعقلانية لبناء المركبات الرياضية الأراضي في المدارس الإعدادية والمعاهد لكن هذه التجربة تعطلت بعد سنتين نتيجة لما شهدته بلادنا من أحداث وحركية اجتماعية وسياسية خلقتها الثورة...نسبة من المؤسسات التربوية استفادت حينها من المركبات الرياضية اللائقة. لسوء الحظ العديد من هذه القاعات في المؤسسات التربوية لديها الجمباز أو الرياضة فقط بالاسم! لأن معظمها لا تتوفر على المواصفات الفنية الملائمة أو لأنها صغيرة جدًا، ومحرومة من التجهيزات الرياضية وبالتالي، يتم إغلاق العديد من القاعات الرياضية نظرًا لعدم اكتمالها أو استخدامها قليلاً لأنها ببساطة بدون معدات أو يتعذر صيانتها بانتظام.  ويمكن ان تصبح بعض القاعات الرياضية مخازن للأثاث المدرسي حتى قبل استخدامها. 


بالنسبة الى الوسائل المادية، لكن الصورة ليست قاتمة ولا سوداوية حيث ان عددا محترما جدا من المؤسسات التربوية تم تجهيزها خلال السنتين الدراسيتين الماضيتين بالمعدات الرياضية التي تحترم المعايير الرسمية؛ ولديها مرافق وظيفية، ولكن هذه في الغالب في حاجة إلى إصلاح ، أما  عن فضاءات تغيير  الملابس، فإن عددا كبيرا من المؤسسات التربوية لا يوجد بها على الإطلاق فضاءات لتغيير الملابس   على سبيل المثال الكرات والصفارات والكرونومتر للمعلمين ورمي الأوزان ووسائل قياس أداء القفزات والرميات وأحيانًا يتم تخصيص ميزانية صغيرة للأنشطة الرياضية المدرسية. على الرغم من أن التربية البدنية تعتبر جزءًا لا يتجزأ من النظام التعليمي ومن التعلّمات الرّسمية.
ممارسة الرياضة فرصة


ان الهدف من هذا النظام المدرسي هو تزويد التلاميذ من حيث المبدأ بفرصة لممارسة الرياضة. وفي الواقع، هناك عدد قليل من المؤسسات التي تتوفر على النشاط الرياضي المنتظم، خاصة في المدارس الابتدائية. وتجدر الإشارة إلى أن الرياضة المدرسية كانت أكثر أهمية في خلال السنوات الماضية قبل الثورة ولا سيما خلال السنتين السابقتين لها.  وثمة حينئذ حاجة ملحة اليوم إلى دراسة أكثر تعمقا لتحليل أسباب تراجع التربية البدنية في المؤسسات التربوية من حيث المردود والجدوى. علما بان الرياضة المدرسية غذت الرياضة المدنية لفترة طويلة. والجدير بالذكر أن وزير التربية الحالي السيد حاتم بن سالم يحاول إحياء الرياضة المدرسية وتطويرها من حيث الشكل والمضمون، للتحول الى الممول أو "خزان" الرياضة المدنية، وسيكون من الجيد أن يتم تطوير المنافسات في الرياضة المدرسية  من أجل فعالية الأداء الرياضي.


 ولكن في الوقت الحالي، فإن الرياضة المدرسية تقدم صورة للمتابعين عن التربية البدنية عموما لاسيما عند متابعة الاحداث والمستجدات المتصلة بامتحان الباكالوريا رياضة وما يحدث خلاله من تجاوزات ليست في علاقة مباشرة بالمدرسين لكنها تدعو الى مزيد التأمل والى القيام بالمراجعات الضرورية والدراسات الكافية لتبين جدوها. ولكن ألا ينبغي أن يكون هناك وضوح وتوافق أكبر في الأهداف المنشودة؟  هل يسعى قطاع الشباب والرياضة إلى تحقيق الأداء من خلال الرياضة المدنية والتخلي عن الرياضة المدرسية. لا نملك إجابة صريحة حقيقة عن هذا السؤال ولهذا السبب ينبغي أن تدرس هذه المسألة من قبل المتخصصين في الميادين كافة بيداغوجية ونفسية وصحية ورياضية بما ان الامر خطير ويتعلق بالصحة البدنية ، ولكن أيضًا يتعلق بالصحة العقلية لأطفالنا وتعليمهم من سن مبكرة إلى مرحلة الباكالوريا.


فهل يجب مراجعة برامج التعليم والتنشيط الثقافي والرياضي على سبيل الأولوية للتأكيد على الأهداف الصحية والقيم الإنسانية المرجوة داخل المدرسة؟ ينبغي أن نتذكر دائما أن نظام التعليم في بلادنا يعمل على متابعة الخيارات المجتمعية في شكل أهداف مخصصة للمدرسة، والتي يحاول المعلمون تحقيقها. لذلك يجب أن نحدد إلى أين نحن ذاهبون قبل اتخاذ خيارات الأنشطة والمحتويات، أهم شيء في رأينا هو وضع أهداف تعليمية واضحة أولاً: تطوير المهارات الحركية والحالة البدنية للشباب، وتعويدهم على أسلوب حياة صحي والمشاركة في تدريب مواطني الغد من خلال تعلّم أخلاق الرياضة. والسماح للجميع بتطوير مستواهم الفني في نشاط رياضي واحد على الأقل في نهاية التعليم الثانوي، وهو عامل حاسم ومؤثر في تحسين تقدير الذات وتنمية الشخصية بين المراهقين، ويساعد على الاندماج الاجتماعي. نحن مقتنعون بأن بلدنا يمتلك الوسائل والاطر اللازمة لتحمل مسؤولية التربية البدنية والرياضة في المدارس.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

معذرة إن تضمنت بطاقتي كلمات ما تعودت على ذكرها فأنا مجبر على الدخول من بابين باب «مخاطبة الناس بم
20:15 - 2019/07/17
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عشر سنوات أن يكون يوم 18 من هذا الشهر الجاري الذي يصادف الغ
20:15 - 2019/07/17
أشرف الجبري (خبير محاسب)
20:30 - 2019/07/15
تطرح اليوم مسألة القائمات المستقلة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكثير من التساؤلات.
20:30 - 2019/07/15
يقول الكاتب الكويتي خليل علي حيدر في مقاله «جدل في البطّيخ والشّمّام» بمجلة «العربي» العدد 13 أفر
20:30 - 2019/07/15
إن الفكرة الجوهرية لهذه المقالة هي الدعوة إلى تدريب العقل التونسي على مبدإ جديد يسود اليوم العلاق
20:00 - 2019/07/11
آه لو كنا «توانسة صافين» لأعلنتها عالية علنا
20:00 - 2019/07/11