اشراقات.. ما كلّ شيء يقال

اشراقات.. ما كلّ شيء يقال

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/09/07

لابأس على المستمع والمشاهد من البرامج الحواريّة، الإذاعيّة والتلفزيّة، إذا استضافت خبراء في التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع ومحلّلين اقتصاديين وحتّى سياسيين حسب الموضوع المطروح، بل إنّه هو المستفيد مستمعا أو مشاهدا ما لم يكن الحوار موجّها إلى غير مصلحة البلاد والعباد. وأحسب أنّ عديدين أمثالي يتابعون ويقدّرون جهود معدّيها ومقدّميها، خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي نمرّ بها موصوفة بما يسمّى بالانتقال الديمقراطي. ولا شكّ أنّ ما أعقب منها اللقاء الإعلامي الخاص مع رئيس الجمهوريّة قد حظي بالمتابعة وحتّى بالتعليق ... إلى هذا الحدّ، لا بأس ولا حرج. 
ولكن الخطر إذا تعلّق الموضوع بالأمن عقب عمليّة إرهابيّة كالتي جدّت بعين سلطان شمال غربيّ غار الدماء، في منطقة حدوديّة جبليّة عسيرة. والخطورة لا تفرض التعتيم والتكتّم في زمن الإعلام والشفافيّة وأمام حقّ المواطن في المعلومة والحاجة إليه للمشاركة والمساندة في الحرب على الإرهاب، وإنّما تقتضي التحرّي والتستّر في التفاصيل حذر أن يستفيد منها العدوّ المتابع لكلّ ما يقال وما يذاع ويبثّ زيادة على شبكة التواصل الاجتماعي. وليس بين الإعلام والأمن أكثر من الخطّ الأبيض الذي يقسم الطريق الواحدة  إلى اتجاهين، فمن تجاوزه خالف القانون وتسبّب في حادث مرور. 
فلماذا يتنافس المنشّطون منجرفين بتيّار السبق الصحفي فيستدرجون مراسليهم ثمّ ضيوفهم من الشهود والأمنيين وربّما العسكريين للكشف عن معطيات وخطط ترتقي إلى درجة أسرار الدولة كأن يشكّك أحدهم  في القدرات اللوجستيّة أو يذكر بالاسم والنوع الأسلحة والتجهيزات المتوفّرة أو يخبر بتوقيت الدوريّات أو يورّط الرعاة وحرّاس الغابات في التبليغ فيعرّضهم لردود فعل انتقاميّة أو يقول إنّ الإرهابيا يتصرّف بالكيفيّة الفلانيّة، وعلينا أن نواجهه بطريقة معيّنة فنحرق مقاسم من الغابات أو نفعل كذا وكذا ... إلى آخره ممّا لا يجوز البوح به ولا حتّى التلميح إليه. 
وكلّ ذلك من الاستخبارات والاستعلامات التي هي من اختصاص المسؤولين عنها يمنع منعا باتّا أن يتحوّل ذلك إلى مادّة إعلاميّة عموميّة موظّفة لرفع نسبة المتابعة في إطار التنافس بين المؤسّسات الإعلاميّة كما بين المنشّطين المتشوّفين إلى النجوميّة. 
وإذا كانت الحرب على الإرهاب – هذه الآفة الجديدة – أشدّ أنواع الحروب فإنّها تدار بشروطها وقواعدها التقليديّة وبأكثر منها. ومنها الخدعة والمباغتة والسرعة والكتمان. وللحروب أسرار لا تكشف في الإبّان، وعقول تخطّط في كنف السرّية التّامة، ومنفّذون ينجزون المهام الصعبة بدقّة وخبرة وفي ظروف مؤمّنة لضمان عودتهم إلى قواعدهم سالمين.
ولأجل النجاعة والحماية نهيب بالمتكلّمين ألاّ يتبجّحوا بالمعرفة الكاملة في كلّ موضوع وأن يكبحوا الفرامل فلا ينساقوا متحمّسين تلقائيّا أو تحت تأثير الطرف المقابل وبدافع الرغبة في النجاح والتألّق والتفوّق بتقديم معلومات يتلقّفها الإرهابيّون على المباشر، وفي ضوئها يتصرّفون ويكيدون. 
أفلا يتذكّرون أنّ كلّ شيء ينبغي أن يعلم، ولكن ما كلّ شيء يقال ؟

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

كان لبورقيبة  لقاءات أسبوعيّة مع جمع من  نخب الشعب التونسي يتداول فيه معهم أهمّ المستجدّات في الس
20:50 - 2018/09/19
بقلم أ. سناء السخيري رئيسة الغرفة الوطنية للناقلين الجويين باتحاد الصناعة والتجارة
20:25 - 2018/09/19
أن يلتقي رئيس الحكومة بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل ويجتمع به في هذا التوقيت السياسي
20:01 - 2018/09/19
تشير العديد من التقارير الدولية الصادرة خلال السنوات القليلة المنقضية إلى أن أهم العوامل التي تفس
23:18 - 2018/09/18
الحالة التي تعيشها بلادنا خلال هذه الفترة تدعونا إلى أكثر من وقفة تأمّل.
20:20 - 2018/09/18
لا تسيؤوا فهمي، فأنا لا أقصد سعادة الملياردير بأمواله وأملاكه، ولا أعني سعادة الذين يكنزون الذهب
20:09 - 2018/09/18
عودة إغلاق الطرقات كشكل من أشكال الاحتجاج والتعبير عن غضب والدعوة إلى تحقيق مطلب تطرح سؤالا حارقا
20:00 - 2018/09/18
احتفلت الاذاعة الوطنية بمرور ثمانين سنة على تأسيسها وهي مناسبة أردنا أن نستثمرها للحديث عن الإذاع
20:00 - 2018/09/18