إشراقات:مات الإبداع... عاشت البدع

إشراقات:مات الإبداع... عاشت البدع

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/09/05

الجمهور يحبّ «يشيخ» في مسرح قرطاج. والشعب يحبّ «البوز» في مجلس باردو. وهذه موضة الثورة المجيدة حقّ جديد لكلّ مواطن في حبّ الظهور بالإثارة مهما كان المجال وبأيّ طريقة ممكنة وسهلة، دون حرج من أحد، ودون مبالاة بعرف أو قانون أو خلق. وعاشت الحرّية ملهمة للجميع إلى طريق النجوميّة العارية. 
النائب المحترم الذي انتخبته والنائبة المحترمة التي أعدت انتخابها بشهادة الحبر الأزرق يتمتّعان بالحصانة إلى أقصى حدّ – إن وجد للحصانة حدّ – ليقولا ما شاءا صارخين في وجه الوزير والرئيس وحتّى الزميل تذكيرا بالمشاهد التي رافقت محنة الدستور. كلّ هذا يقع تحت القبّة المحترمة وبشهادة الكراسي الخضراء أمام كاميرا النقل المباشر لأجل استحقاق نيابي جديد. ولولاها لما رأينا ولما سمعنا ولما وصلنا إلى هذه الشعبويّة القبيحة أصلا. 
والمنشّط مع ضيفه أو ضيفته سواء أكانا عرضيين أو دائمين يفعل أحدهما أو كلاهما ما يشاء ويقول ما يشاء للإضحاك السخيف رغبة في بلوغ أعلى نسبة مشاهدة. ولا حرج من التعرّي ومن الكلام البذيء والتعليق الركيك، ولا من التقاذف بالماء والبيض أو من الرقص الخليع الماجن مع ما يطلبه الجمهور الهائج من غمزات وإيحاءات بلغة الجسد بصيغ المؤنّث والمذكّر وما بينهما. كلّ هذا يقع أمام أنظار العائلات رغبة في الشهرة السريعة والكسب الحلال،  غير الذي مأتاه التهريب والفساد. وهل أشرف من عرق الراقص عندما " يلوي "والمغنيّة عندما «تبعبع». مسارح المهرجانات تشهد على هستيريا العرض ورداءة الذوق وسفالة الفنّ. 
والمغرّد الفايسبوكي مع أصحابه يكتب أو يكذب في كلّ موضوع بلغة هجينة وتعليقات مشينة غايته تحصيل رقم قياسي من أصوات المعجبين في أقصر وقت ممكن. وياله من إنجاز كبير ونجاح ليس له نظير! 
وتلك حياتنا وأوقاتنا تضيع سبهللا أمام أنظار الضاحكين علينا وعلى « خنّارنا» وبدعنا العجيبة كنصف الحلاقة على رؤوس شباب الغد. وهو أيضا أنموذج تونسي للحداثة في لغته ولباسه وحلاقته. وبارك الله في ترابك يا تونس كما تغنّى بها الفكاهي الناقد صالح الخميسي. 
أمّا أنا وأمثالي فمن جيل العروي الذي ما كان عليه وعليّ العيش إلى هذا الزمان لنرى ونسمع ونسكت أمام حرّية العبث بالأخلاق والأذواق مقلوبة منتشية بما أصابها من عدوى الـ "Buzz  " التشريعي والإعلامي والتواصلي.
ولعلّها كانت مصيبة عن حسن نيّة تلك المرأة التي كلّفتها الشعبة بأن تطلب من وزير الثقافة مسرحا للهواء الطلق يوم زيارته الميمونة، كما كنّا نقول، فارتبكت إذ سمعت سؤاله عن المرأة بعد استماعه لمطالب الرجال، فصاحت : « سيدي، سيدي، وقتاش تعمل لنا مسرح  طلق الهواء ؟ «. رحم الله مبدعة " البوززز " قبل الأنقليز.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

الجميع يتساءل عن الحل لإرتفاع الأسعار وتدهور الخدمات وإنخفاض قيمة الدينار  والإنهيار الاقتصادي
21:22 - 2019/04/18
«تونس ترابها سخون بأوليائها الصالحين»
20:15 - 2019/04/16
وهل أعظم من هذا الإجرام : يحرّفون الكلام عن مواضعه مدّعين المعرفة بعلوم الأوّلين و الآخرين ومتبجّ
20:15 - 2019/04/16
هل جربنا الشغف بالمستقبل وهل أن الغد في مدوناتنا الأدبية والفنية حاضر حضور القوة والأمل والبهجة أ
20:15 - 2019/04/16
لقد ولد في هذا الوطن الآلاف من المهندسين العباقرة تسجل أسمائهم بماء من ذهب في سجل تاريخ امتنا بإن
20:00 - 2019/04/15
أصبحت الحاجة في تونس تستدعي أكثر من أي وقت مضى ضرورة تنقيّة المنـــاخ السّياسي الوطني وذلك قبل ال
20:00 - 2019/04/15
إن المتابع للشأن العام ولما يحدث خصوصا في المشهد السياسي ببلادنا له أن يتساءل في ظل ما يراه من اح
20:00 - 2019/04/15
بقلم الدكتور علاء الدين سحنون الكاتب العام لنقابة اطباء القطاع الخاص فرع سوسة
20:00 - 2019/04/15