مشروع إرساء السلطة المحلیة خطیر ويهدّد بزعزعة أركان الدولة
خالد الحدّاد
ربيـــع تونســـي يُزهـــر
خطوة مهمّة تقطعها بلادنا على درب تكريس مقتضيات الانتقال الديمقراطي.وقد أبانت مرحلة تقديم الترشحات للانتخابات البلديّة عن حسّ مدني واسع منتصر لخيار المنافسة الانتخابية والاحتكام...
المزيد >>
مشروع إرساء السلطة المحلیة خطیر ويهدّد بزعزعة أركان الدولة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 29 جانفي 2018

خصّنا الدكتور رضا جنيح بهذه المداخلة القيّمة والشاملة حول مشروع مجلة الجماعات المحلية المعروضة على مجلس النواب... وقد أرادها عبارة عن «صيحة فزع» لانقاذ الدولة مما يتهددها من إرساء سلطة محلية «مستقلة».

الدولة التونسية ليست دولة اتحادية أو جهوية وإنما دولة وطنية موحّدة

اللامركزية في الدول الموحّدة لا تعني تحرّر الجماعات المحلية من كل رقابة وإنما فقط تحريرها من الوصاية التي كانت مسلّطة عليها من طرف السلطة المركزية

سيكون من الصعب جدا بالنظر الى طريقة الاقتراع المعتمدة إيجاد الأغلبية القادرة على الحسم في المسائل الخلافية وهو ما يُنذر بتفجير الصراعات الجهوية

احذر من مغبة اعتماد هذا المشروع الذي یمثل خطرا على تماسك وانسجام النظام القانوني للدولة

مشروع مجلة الجماعات المحلیة المعروض على مجلسكم یتعلق بتنظیم العلاقة بین المركزي والمحلي، وهي منظومة متغلغلة في تاریخ البلاد، تتجاوز بكثیر مراجعة هذا التنظیم بأدوات قانونیة، وتستوجب -في المستوى القانوني على الأقل- إصدار ترسانة هائلة من القوانین والأوامر المترابطة لإنفاذ دستور 27 جانفي 2014 الذي أعلن عن اعتماد تنظیم إداري جدید، یقوم على سلطة محلیة متحررة من هیمنة المركز وعن إحداث جماعات محلیة في ثوب جدید تدیر المصالح المحلیة وفقا لمبدإ التدبیر الحر. لذلك ومع الإدراك التام بأن هذه المجلة تمثل أهم القوانین اللازمة لإرساء هذه المنظومة، لا مناص من تجاوز مجرد التعلیق على مختلف أجزائها إن أردنا إبراز تداعیاتها على كامل مكونات التنظیم الإداري للدولة. ویأتي هذا الیوم الدراسي بعد بدء العد التنازلي للمصادقة على مجلة الجماعات المحلیة، وقد تخلل عرضها على المجلس صدور قانون 14 فیفري 2017 المتعلق بتنظیم الانتخابات البلدیة والجهویة، وتتسم هذه اللحظة الفارقة في مسار إرساء هذا المنوال الجدید من التنظیم بتعالي الأصوات التي تنادي بتسریع إجراءات المصادقة علي هذه المجلة والتي ترى أنه لا یمكن تنظیم الانتخابات البلدیة المحددة لیوم 6 ماي 2018 دون ضبط محتواها. ونظرا للإطار الضیق لهذه المداخلة، سأكتفي بطرح أهم الإشكالیات التي یثیرها هذا المشروع والتي سأحاول اختزالها في النقاط الخمس التالیة المتعلقة بالمفاهیم (1) وبالجدوى (2) وبالتقسیم الترابي (3) وبالصلاحیات وما
یقابلها من موارد (4) وبالرقابة (5). قبل ذلك لا یفوتني أن أسجل غیاب دراسة مؤثرات تشریعیة دقیقة تعنى بتقییم الحلول التي جاءت بها هذه المجلة، فدون إعداد دراسة تحلیلیة مسبقة، تتضمن تقییم مختلف جوانب هذا المشروع من حیث الكلفة والمنافع، على غرار ما هو معمول به في أغلب الأنظمة القانونیة المتقدمة، لا یمكن للمجلس التداول بشأنها بصفة متبصرة ومستنیرة، ویخشى أن تمثل المصادقة علیها قفزة نحو المجهول.أعود إلى الإشكالیات الخمس التي یطرحها هذا المشروع:
وأبدأ بالنقطة الأولى المتعلقة بالمفاهیم: والسؤال المطروح هنا بعیدا عن المنهجیة الطوباویة التي تم اعتمادها من طرف اللجنة التأسیسیة للجماعات العمومیة المحلیة والجهویة التي تولت إعداد التقریر النهائي الذي تم على ضوئه المصادقة على الباب السابع من الدستور هو التالي: هل أن هذا المشروع المنقول من دول شمال أوروبا التي لها خصوصیات تاریخیة وثقافیة واقتصادیة راسخة في السلطة المحلیة یتماشى مع واقع الدولة التونسیّة ؟
في هذا الإطار ألاحظ أن بعض المفاهیم من شأنها أن تفتح الباب أمام التأویلات المتضاربة والتطبیقات الغیر متجانسة، وأكتفي هنا بالمثالین التالیین:
المثال الأول یتعلق بالسلطة المحلیة وهو عنوان الباب السابع من الدستور. هذا المفهوم الذي یوحي بتواجد سلطة منافسة للسلط العمومیة یتجاهل مسألة جوهریة بخصوص فلسفة اللامركزیة، وقوامها أنها لا تعدو أن تكون سوى مجرد تنظیم إداري یجب أن یكون منصهرا في الدولة الموحدة، متجانسا مع نظمها الإداریّة، وهو ما یتأكد من خلال ما جاء بالفصل 14 من الدستور الذي ینص على أن الدولة تلتزم:
1. بدعم اللامركزیة واعتمادها بكامل التراب الوطني في إطار وحدة الدولة" وما نص علیه الفصل 15 من أن "الإدارة العمومیة في خدمة المواطن والصالح العام تنظم وتعمل وفق مبادئ الحیاد والمساواة واستمراریة المرفق العام ووفق قواعد الشفافیة والنزاهة والنجاعة والمساءلة"، وإدراج هذه الأحكام بباب المبادئ العامة له دلالة كبرى إذ یفید أن الدولة التونسیة لیست دولة اتحادیة أو جهویة تتسم بوجود تجمعات بشریة لها من الخصوصیات المحلیة مایفرض الاعتراف لها بسلطة محلیة متحّررة عن المركز تمارس عن طریق مجالس تشریعیة محلیة كما في ألمانیا أو في سویسرا أو في المملكة المتحدة أو في اسبانیا أو في إیطالیا وإنما هي دولة موحدة تعترف لا محالة بحیّز واسع من الحریة للجماعات المحلیة ولكن دون نفي الرقابة والمحاسبة والمساءلة التي یجب أن تخضع لها هذه الذوات العمومیة حفاظا على الوحدة الوطنیة للدولة ووحدة نظامها القانوني. فوحدة الدولة لا تعني فقط وحدتها الترابیة بل كذلك وحدتها القانونیة، وهذه الوحدة التي تقوم على أن السیادة الوطنیة لا تتجزأ تنفي وجود سلطة محلیة منافسة لمجلس نواب الشعب بوصفه صاحب السیادة، كما تفرض على السلطة الترتیبیة المحلیة ألا تحید في أعمالها عن التراتیب العامة التي یعود إلى رئیس الحكومة وحده اتخاذها، وهو ما یستوجب مراجعة القسم الرابع من الأحكام المشتركة من مشروع المجلة المتعلق بالسلطة الترتیبیة المحلیة في اتجاه مزید التدقیق. والمثال الثاني یتعلق بما جاء بالفصل 2 من مشروع المجلة من أن البلدیات تغطي كامل تراب الجمهوریة.
هذه الأحكام وإن كانت مطابقة لمقتضیات الفصل 131 من الدستور، فلا معنى لها لتعارضها البدیهي مع الواقع الترابي للدولة التونسیة الذي یفید أن 61 % من مساحة البلاد تتمثل في صحارى وغابات وأودیة، فضلا عن المیاه الإقلیمیة التي تعتبر جزءا لا یتجزأ من التراب الوطني، فهذه المناطق لا تصلح للعمران ولا یمكن الحدیث بشأنها عن تنظیم بلدي في غیاب تام للعمران وللمتساكن المحلي، وهو ما یؤكد أنه كان بالإمكان تجنب سیاسة الورقة البیضاء المدمرة التي انطلقت منها اللجنة التأسیسیة عند صیاغتها للباب السابع من الدستور.
النقطة الثانیة تتعلق بالجدوى: وتؤدي إلى طرح الأسئلة التالیة: هل أن الدولة مهیأة لاستیعاب هذا المشروع الضخم ؟ وهل لها في الوقت الراهن القدرة على تحمل كلفته الباهظة ؟ وهل للمواطن المحلي وللهیاكل المسیرة والرقابیة الوعي والتكوین الكافیین لاستیعاب ما یطرحه من رهانات ؟ وأخیرا، وهو الأمر الأهم بالنسبة للمواطن المحلي، هل سیؤدي إنجازه إلى تحسین ظروف عیشه وتقدیم خدمات أفضل من الخدمات المقدمة الیوم ؟
أخشى أن یكون الجواب عن جملة هذه الأسئلة بالنفي ضرورة أنه لا یمكن استنساخ منوال نشأ وترعرع في بلدان لها من الخصوصیات ما یبرر بعث سلطة محلیة مستقلة عن الدولة المركزیة، فالدولة التونسیة لیست دولة اتحادیة أو جهویة وإنما دولة وطنیة موحدة استقرت في حدودها الترابیة منذ حلول البایات الحسینیین سنة 1705.
فقد كان هذا التنظیم في عهد الحكم الحسیني یتسم بالسیطرة المطلقة للباي على الأطراف، وكان المركز یمارس هذه السلطة عبر ممثلیه (القاید والخلیفة والشیخ) في مختلف مناطق المملكة دون التقید بأي ضابط قانوني، كما أن اعتماد التنظیم البلدي لم یتم إلا سنة 1857 وذلك بإحداث أول بلدیة في تاریخ البلاد وهي بلدیة تونس.
ولم یحد الاستعمار عن هذا التنظیم، بل سعى إلى دعمه وتطویره وتوظیفه لإحكام السیطرة على كامل التراب الوطني، بالمحافظة على الأطر الترابیة التقلیدیة ولكن مع إخضاعها لرقابة المراقبین المدنیین والسلط العسكریة في مختلف أجزاء المملكة، كما قام بإحداث عدید البلدیات ولكن مع إقصاء الأهالي من كل تمثیل خدمة لمصلحة المستعمر. كما لم تجازف دولة الاستقلال بإلغاء العمل بهذا التنظیم، بل رأت أنه من الضروري المحافظة علیه وملائمته مع أولیات الدولة الحدیثة لما یمثله من أداة فاعلة لإرساء نظام سیاسي مستقر یدعم الوحدة القومیة كما تم تأكیده
2
صراحة بمقتضى توطئة دستور 1959، لذلك تم اعتماد تنظیم یقوم على سیطرة السلطة المركزیة على الجماعات المحلیة بهدف مقاومة الصراعات القبلیة والعشائریة المدمرة لوحدة كل دولة، غیر أن سرعة تحول هذا المشروع إلى أداة للانفراد بالسلطة، ینفي حریة المواطن المحلي في اختیار ممثلیه في المجالس المحلیة والاستقلالیة الفعلیة للهیاكل المسیرة في تصریف الشؤون المحلیة بكل حریة. لذلك اعتبر أنه من الأجدى مراعاة خصوصیات نظام اللامركزیة الترابیة في تونس، وأدعو المجلس من باب الواقعیة إلى عدم المصادقة على هذا المشروع الذي یتسم بتنكر تام لماضي وحاضر البلاد وینذر بزعزعة أركان الدولة، وأرى -بعیدا عن سیاسة الورقة البیضاء والأرض المحروقة المدمرة- أن الحكمة تقتضي الرجوع إلى الوراء مع تدارك العجز الدیمقراطي الموروث من نظام الاستبداد وذلك بتنظیم انتخابات محلیة في إطار القوانین الأساسیة للبلدیات وللمجالس الجهویة بعد مراجعتها وتطویرها وتنظیفها من رواسب الاستبداد.، وأعتقد جازما أن هذا الحل یمثل أخف الضررین بالنظر إلى حجم التحدیات التي یطرحها هذا المشروع الغریب عن محیطنا الطبیعي والتي لن تكون الدولة قادرة على رفعها:
1. بدءابالمستوى القانوني بإصدار ما یلزم من قوانین ومن أوامرمترابطة وهي عدیدة (قانون التقسیم الترابي الجدید، قانون إحداث صندوق دعم اللامركزیة والتعدیل المشار إلیه بالفصل 35 من مشروع المجلة، قانون تنظیم القضاء الإداري، قانون تنظیم القضاء المالي، فضلا عن ما لا یقل عن 34 أمر حكوميا تطبیقيا یحیل إلیها مباشرة مشروع المجلة)، وبمراجعة التشریعات والتراتیب الساریة التي لم تعد متجانسة مع النظام القانوني الجدید والتي لا تقل عددا عن الأولى (القانون الأساسي لمیزانیة الدولة، مجلة المحاسبة العمومیة، مجلة الجبایة المحلیة، مجلة التهیئة الترابیة والتعمیر، والقوانین والأوامر ذات الصلة بالصلاحیات المنقولة، إلخ).
2. مرورا بالمستوى السیاسي بتنظیم الانتخابات البلدیات ومراقبة شرعیتها، علما وأن هذه الانتخابات ستفرز اختیار ما لا یقل عن 7206 مستشار بلدي موزعین على 350 مجلسا منتخبا، سیكون من الصعب جدا بالنظر إلى طریقة الاقتراع المعتمدة إیجاد الأغلبیة القادرة على الحسم في المسائل الخلافیّة وهو ما ینذر بتفجیر الصراعات العشائریة والجهویة وتدني الخدمات المقدمة.
3. وختما بمستوى الوسائل المالیة والمادیة والبشریة بتسخیر ما یلزم من موارد مالیة وبشریة ومادیة لتوفیر الحد الأدنى من المباني والتجهیزات والإطارات والأعوان والأموال والمؤسسات اللازمة لتمكین الهیاكل المسیّرة من إدارة الشؤون المحلیة طبقا لمبادئ المساواة والاستمراریة والتأقلم والشفافیة والنزاهة والنجاعة والمساءلة التي أقرها الفصل 66 من هذه المجلة.
أما النقطة الثالثة فهي تتعلق بالتقسیم الترابي وأكتفي هنا بطرح الإشكالیتین التالیتین:
1. الأولى تتعلق بدستوریة الفصلین 194 و291 من مشروع المجلة:
فهذه الأحكام تنص على أن القانون یقر البلدیات والجهات التي سبق إنشاؤها والمضمنة بالملاحق "أ" و "ب" في نطاق حدودها الترابیة، على أن ما یشد الانتباه هو أن هذا التقسیم الترابي الجدید وهذا الإحداث لجماعات محلیة جدیدة لم یتم بمقتضى قانون كما تقره الفقرة الثانیة من الفصل 131 من الدستور وإنما بأوامر حكومیة صدرت خلال سنتي 2015 و2016 تم بمقتضاها توسعة حدود الـ187 بلدیة قائمة وإحداث 86 بلدیة جدیدة والإبقاءعلى حدود 77 بلدیة في حدودها الترابیة القدیمة، وهو ما یجعل دستوریّة هذه الأحكام محل شك كبیر.
2. والثاني یتعلق بالخیارات الترابیة المتعلقة بهذه المنظومة الجدیدة
3 في هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن إقرار ثلاثة مستویات من اللامركزیة یتعارض مع الخیار الذي تم اعتماده في البلدان الكبیرة الذي یقتصر على مستویین فقط من اللامركزیة، لذلك سیكون لإحداث مستوى ثالث من اللامركزیة یتمثل في الأقالیم أسوأ الآثار على التنظیم الإداري للدولة نظرا لكلفته الباهظة وللمخاطر التي تترتب عن صعوبة التوّصل إلى التوافقات اللازمة بخصوص التقسیم الترابي لهذا الصنف الجدید من الجماعات المحلیة وبخصوص تحدید مراكزها الترابیة إذ ینذر بإحیاء النعرات القبلیة والعشائریة والجهویة التي بدأنا نشاهد بوادرها الهدامة. ولعل ذلك ما یفسر أن مشروع المجلة قد قرر إرجاء النظر فيه ، وهو خیار صائب نظرا للحساسیة البالغة في الوقت الراهن. كما أن فك الارتباط بین الولایة كدائرة ترابیة للمصالح الجهویة للدولة والجهة كدائرة ترابیة لمصالح هذه الجماعة المحلیة الجدیدة سیؤدي بالدولة إلى تمكین المجالس الجهویة التي سیتم انتخابها وهیاكلها المسیّرة من الوسائل اللازمة لتصریف شؤونها في استقلالیة تامة عن الدولة وسیكلف المجموعة الوطنیة أعباء جدیدة لا طاقة على تحملها.
بقي أن نشیر إلى أن إحداث ما لا یقل عن 86 بلدیة جدیدة لا یتماشى مع التوجه العام الذي نشهده في البلدان المتقدمة والذي یتمثل في تجمیع البلدیات تحقیقا لأوجه التآزر ووفورات الحجم وضمانا لترشید استعمال القدرات المتاحة.
وتتعلق النقطة الرابعة بالصلاحیات وما یقابلها من وسائل مالیة وبشریة: ولعلها من أدق الإشكالیات التي یطرحها هذا المشروع لما تفرضه من مراجعة للعلاقة

القائمة بین المركزي والمحلي ومن تنظیم علاقة الجماعات المحلیة فیما بینها ولعلاقتها مع المواطن المحلي في إطار مبادئ الحوكمة المفتوحة والدیمقراطیة التشاركیة التي سعى الباب من الأحكام المشتركة إلى تنظیمها.
وهذا التوزیع الجدید للأدوار یستوجب:
1. تحدیدا دقیقا للصلاحیات الذاتیة لكل صنف من الجماعات المحلیة، وضبط صلاحیاتها المشتركة مع الدولة، وتحویل الصلاحیات المنقولة إلیها.
ویجب أن یتم ذلك على أساس مبدإ جدید، لم یسبق اعتماده من قبل، تم نقله من بلدان لها تقالید راسخة في الحكم المحلي، وهو مبدأ التفریع الذي یعني، طبقا لما جاء بالفصل 14 من المجلة، بأنه یعود الى كل صنف من الجماعات المحلیة ممارسة الصلاحیات التي تكون الأجدر بممارستها بحكم قربها من المواطن المحلي وقدرتها على الأداء الأفضل للمصالح المحلیة مع الحرص على أن یكون كل إحداث صلاحیات جدیدة أو نقل لها من السلطة المركزیة مقترنا بما یناسبه من موارد مالیة تطبیقا لأحكام الفصل 135 من الدستور.
2. وضع آلیات الدیمقراطیة التشاركیة ومبادئ الحوكمة المفتوحة التي أوجبها الفصل 139 من الدستور وهو ما تم تكریسه بمقتضى القسم الخامس من الأحكام المشتركة لهذه المجلة.
وبالرجوع إلى التجارب الشبیهة، وخاصة إلى التجربة الفرنسیة التي انطلقت بصدور القوانین المتعلقة باللامركزیة الترابیة منذ سنة 1982 والتجربة المغربیة التي انطلقت منذ سنة 2002 یتضح أن مسار اللامركزیة طویل ومعقد لما یترب عنه من إحداث ثورة في النظام القانوني للدولة، إذ لیس من الیسیر على السلطة المركزیة العدول عن الصلاحیات التي كانت تستأثر، كما لیس من المعتاد في تقالیدنا تمكین المواطن المحلي من الاطلاع على أعمال الهیاكل المسیّرة وتشریكه في صنع القرار المحلي، لذلك نرى أن لا مناص في هذا المجال من توخي الحذر الشدید واعتماد سیاسة التدرج وعدم تحمیل الجماعات المحلیة مسؤولیات جدیدة لا قدرة لها على تحملها.
4. غیر أن ما یثیر الحیرة وما یعزز الشكوك حول صدق نوایا المشرفین على هذا المشروع هو أنه بالرغم من إقرار المجلة صلاحیات واسعة لفائدة الجماعات المحلیة وتحمیلها مسؤولیات جدیدة فإن قوانین المالیة والجبائیة المتعاقبة لم تسع إلى التحویل ما یناسب ذلك من موارد وتزویدها بالموارد الضروریة لتمكینها من انتداب الإطارات والأعوان البلدیین وتسدید المنح لمسیریها وتخصیص المباني واقتناء التجهیزات والمعدات الضروریة لتركیز مختلف مصالحها ومجابهة المصاریف المختلفة التي ستنجر عن تسییر الشؤون المحلیة، إذ بقیت البلدیات تشكو من تبعیة تامة إزاء السلطة المركزیة لا تتجاوز نسبة التأطیر فیها 10 % ولا تتجاوز مواردها كامل مواردها 4 % ومواردها الذاتیة 2 % تقریبا من میزانیة الدولة.
وأنهي بالنقطة الخامسة والأخیرة المتعلقة بالرقابة: هذه النقطة تعد من أهم الإشكالیات التي یطرحها هذا المشروع ضرورة أن اللامركزیة في الدول الموحدة لاتعني تحّرر الجماعات المحلیة من كل رقابة وإنما فقط تحریرها من الوصایة التي كانت مسلطة علیها من طرف السلطة المركزیة، ویتم ذلك عادة بحذف كل رقابة سابقة على أعمالها (رقابة الإشراف والتأشیرة السابقة لمراقب المصاریف والموافقة المسبقة للجان مراقبة الصفقات المحلیة) ولكن مع إبقائها خاضعة للرقابة اللاحقة للهیاكل الرقابية الإداریة ذات الاختصاص الأفقي (هیئة الرقابة العامة للمرافق العمومیة وهیئة الرقابة العامة للمالیة وهیئة الرقابة العامة لأملاك الدولة، وهیئة الحوكمة الرشیدة ومكافحة الفساد) وبتعویض رقابة الإشراف برقابة الجدوى على تصرفاتها المالیة الموكولة الى القضاء المالي وبرقابة الشرعیة على أعمالها الإداریة الموكولة الى القضاء الإداري، كل ذلك مع ضرورة الإدراك بأن مختلف أعمال الجماعات المحلیة ـ باستثناء تلك المتعلقة بالمیزانیة التي تتسم بنوع من الخصوصیة ـ هي أعمال إداریة بالأساس یجب أن تبقى خاضعة للنظام العام وللأعمال الإداریة ولرقابة القاضي الإداري. على أن ما یشد الانتباه بالرجوع إلى مشروع هذه المجلة هو:
1. تضمنه أحكاما مبعثرة (الفصول 97 و137 و213 و137 و242 و265 و267 و296 و320 و330 و336) لم یقع جمعها وتبویبها في قسم خاص تابع للأحكام المشتركة یعنى بتنظیم هذه المسألة وتیسیر قراءة واستیعاب الحلول المعتمدة لمعالجتها بالرغم من أهمیتها البالغة على تماسك وانسجام التنظیم الإداري للدولة. 2. تجاهله خصوصیة رقابة القضاء المالي على حسن التصرف في المال العام المحلي التي تتجاوز مجرد رقابة الشرعیة المالیة والإداریة على تصرفات أمر الصرف لتصل إلى مراقبة نجاعتها وجدواها.
ویكفي للتأكد من ذلك الرجوع إلى الفصل 117 من الدستور الذي ینص على أن محكمة المحاسبات تختص بمراقبة حسن التصرف في المال العام طبقا لمبادئ الشرعیة والنجاعة والشفافیة، وتقضي في حسابات المحاسبین العمومیین، وهذا الدور لا یختلف كثیرا عن ذلك الذي تمارسه دائرة المحاسبات الیوم والذي یؤول إلى التمییز بین الرقابة الإداریة لهذه المحكمة التي تنصب على أعمال تصرف المسؤولین المحلیین وبین الرقابة القضائیة التي تنصب على الأعمال المالیة للمحتسبین العمومیین، غیر أنه بالرجوع إلى الأحكام الواردة في هذه المجلة یلاحظ تجاهلها لهذه المبادئ وذلك بتكلیف أمین المال الجهوي أو الوالي بالاعتراض على إجراءات إبرام بعض العقود أو على أعمال التصرف المالي لآمري الصرف أمام غرف المحاسبات الجهویة وإسناد هذه الأخیرة اختصاص النظر فیها قضائیا عوضا عن القاضي الإداري (الفصول 88 و103 و137،...).
3. تجاهله طبیعة الرقابة وحجم الرقابة التي سیكون الوالي مضطرا الى ممارستها على مختلف الأعمال المحلیة، بوصفه ممثل الدولة بالجهة، وخلطه بین الرقابة الموكولة إلى القضاء المالي والرقابة الموكولة الى القضاء الإداري وعدم سعیه الى تجنب اختناق المحاكم الإداریة الجهویة بسبب التدفق المحتمل للطعون على شرعیة هذه الأعمال.
5. هذا النوع من الرقابة یتسم في الأنظمة القانونیة المقارنة بتعلیق نفاذ أهمها (مداولات المجالس المحلیة، القرارات التي تتخذ من رئیسها بتفویض من المجلس، القرارات الترتیبیة للسلط التنفیذیة المحلیة، قرارات انتداب وعزل الأعوان المحلیین، قرارات الضبط الإداري المحلي، قرارات الترخیص في البناء أو التقسیم وقرارات الهدم، الاتفاقات المتعلقة بالأسواق وبالقروض، عقود تفویض المرافق العامة، الصفقات العمومیة، عقود الشراكة بین القطاع العام والقطاع الخاص،...) على إحالتها وجوبا على ممثل الدولة بالجهة لتمكینه من النظر في إمكانیة الطعن فیها أمام المحكمة الإداریة الجهویة المختصة في أجل محدد، وبانقضاء الأجل المذكور دون ممارسة الجهة الإداریّة حق الطعن تدخل هذه الأعمال حیز النفاذ، غیر أنه بالرجوع إلى الأحكام الواردة بهذه المجلة لا نجد مثیلا لهذا الإجراء كما نلاحظ إسناد حق الاعتراض على هذا النوع من الأعمال أمام الغرف الجهویة لمحكمة المحاسبات، وهو ما سیساهم في إرباك الجهة المخول لها الاعتراض وسیكون له أسوأ التأثیر على نجاعة هذه الرقابة. تلك بعض الخواطر التي یسمح بها الحیز الزمني الضیق المخصص لهذه المداخلة، ولا أرید أن أنهي دون إعادة التحذیر من مغبة اعتماد هذا المشروع الذي یمثل خطرا على تماسك وانسجام النظام القانوني للدولة، علما أن العلة لا تكمن في مشروع المجلة في حد ذاته بقدر ما توجد في الأحكام الدستوریة المتعلقة بالسلطة المحلیة التي جاءت في قطیعة تامة مع واقع البلاد.

بقلم رضا جنیح (دكتورا دولة في الحقوق أستاذ مبرز في القانون العام)
وخزة:إرهاب الـ «نات» !
24 فيفري 2018 السّاعة 21:00
ينبغي على السلط المعنية بالطفولة دقّ ناقوس الخطر إزاء ألعاب الـ «نات» التي ما انفكّت تحصد أرواح أطفال...
المزيد >>
وخزة:سيّارات الموت !
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
لن تخطئ إذا أطلقت توصيف «سيارات الموت» على عربات النقل الريفي أو التاكسي الجماعي فأصحاب هذه السيارات لا...
المزيد >>
مرايــــــا:جلباب «الربيع العربي»... لـم يكن جلبابنا !
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
مازال ما سمّي بـ«الربيع العربي» يثير الكثير من الجدل والنقاشات والتقييمات... البعض يعتبره بالفعل ربيعا. ومعه...
المزيد >>
أولا وأخيرا:سيدي، سيدي، وين ماشين ؟
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
سادتي المربّون الأكارم الأفاضل:
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
مشروع إرساء السلطة المحلیة خطیر ويهدّد بزعزعة أركان الدولة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 29 جانفي 2018

خصّنا الدكتور رضا جنيح بهذه المداخلة القيّمة والشاملة حول مشروع مجلة الجماعات المحلية المعروضة على مجلس النواب... وقد أرادها عبارة عن «صيحة فزع» لانقاذ الدولة مما يتهددها من إرساء سلطة محلية «مستقلة».

الدولة التونسية ليست دولة اتحادية أو جهوية وإنما دولة وطنية موحّدة

اللامركزية في الدول الموحّدة لا تعني تحرّر الجماعات المحلية من كل رقابة وإنما فقط تحريرها من الوصاية التي كانت مسلّطة عليها من طرف السلطة المركزية

سيكون من الصعب جدا بالنظر الى طريقة الاقتراع المعتمدة إيجاد الأغلبية القادرة على الحسم في المسائل الخلافية وهو ما يُنذر بتفجير الصراعات الجهوية

احذر من مغبة اعتماد هذا المشروع الذي یمثل خطرا على تماسك وانسجام النظام القانوني للدولة

مشروع مجلة الجماعات المحلیة المعروض على مجلسكم یتعلق بتنظیم العلاقة بین المركزي والمحلي، وهي منظومة متغلغلة في تاریخ البلاد، تتجاوز بكثیر مراجعة هذا التنظیم بأدوات قانونیة، وتستوجب -في المستوى القانوني على الأقل- إصدار ترسانة هائلة من القوانین والأوامر المترابطة لإنفاذ دستور 27 جانفي 2014 الذي أعلن عن اعتماد تنظیم إداري جدید، یقوم على سلطة محلیة متحررة من هیمنة المركز وعن إحداث جماعات محلیة في ثوب جدید تدیر المصالح المحلیة وفقا لمبدإ التدبیر الحر. لذلك ومع الإدراك التام بأن هذه المجلة تمثل أهم القوانین اللازمة لإرساء هذه المنظومة، لا مناص من تجاوز مجرد التعلیق على مختلف أجزائها إن أردنا إبراز تداعیاتها على كامل مكونات التنظیم الإداري للدولة. ویأتي هذا الیوم الدراسي بعد بدء العد التنازلي للمصادقة على مجلة الجماعات المحلیة، وقد تخلل عرضها على المجلس صدور قانون 14 فیفري 2017 المتعلق بتنظیم الانتخابات البلدیة والجهویة، وتتسم هذه اللحظة الفارقة في مسار إرساء هذا المنوال الجدید من التنظیم بتعالي الأصوات التي تنادي بتسریع إجراءات المصادقة علي هذه المجلة والتي ترى أنه لا یمكن تنظیم الانتخابات البلدیة المحددة لیوم 6 ماي 2018 دون ضبط محتواها. ونظرا للإطار الضیق لهذه المداخلة، سأكتفي بطرح أهم الإشكالیات التي یثیرها هذا المشروع والتي سأحاول اختزالها في النقاط الخمس التالیة المتعلقة بالمفاهیم (1) وبالجدوى (2) وبالتقسیم الترابي (3) وبالصلاحیات وما
یقابلها من موارد (4) وبالرقابة (5). قبل ذلك لا یفوتني أن أسجل غیاب دراسة مؤثرات تشریعیة دقیقة تعنى بتقییم الحلول التي جاءت بها هذه المجلة، فدون إعداد دراسة تحلیلیة مسبقة، تتضمن تقییم مختلف جوانب هذا المشروع من حیث الكلفة والمنافع، على غرار ما هو معمول به في أغلب الأنظمة القانونیة المتقدمة، لا یمكن للمجلس التداول بشأنها بصفة متبصرة ومستنیرة، ویخشى أن تمثل المصادقة علیها قفزة نحو المجهول.أعود إلى الإشكالیات الخمس التي یطرحها هذا المشروع:
وأبدأ بالنقطة الأولى المتعلقة بالمفاهیم: والسؤال المطروح هنا بعیدا عن المنهجیة الطوباویة التي تم اعتمادها من طرف اللجنة التأسیسیة للجماعات العمومیة المحلیة والجهویة التي تولت إعداد التقریر النهائي الذي تم على ضوئه المصادقة على الباب السابع من الدستور هو التالي: هل أن هذا المشروع المنقول من دول شمال أوروبا التي لها خصوصیات تاریخیة وثقافیة واقتصادیة راسخة في السلطة المحلیة یتماشى مع واقع الدولة التونسیّة ؟
في هذا الإطار ألاحظ أن بعض المفاهیم من شأنها أن تفتح الباب أمام التأویلات المتضاربة والتطبیقات الغیر متجانسة، وأكتفي هنا بالمثالین التالیین:
المثال الأول یتعلق بالسلطة المحلیة وهو عنوان الباب السابع من الدستور. هذا المفهوم الذي یوحي بتواجد سلطة منافسة للسلط العمومیة یتجاهل مسألة جوهریة بخصوص فلسفة اللامركزیة، وقوامها أنها لا تعدو أن تكون سوى مجرد تنظیم إداري یجب أن یكون منصهرا في الدولة الموحدة، متجانسا مع نظمها الإداریّة، وهو ما یتأكد من خلال ما جاء بالفصل 14 من الدستور الذي ینص على أن الدولة تلتزم:
1. بدعم اللامركزیة واعتمادها بكامل التراب الوطني في إطار وحدة الدولة" وما نص علیه الفصل 15 من أن "الإدارة العمومیة في خدمة المواطن والصالح العام تنظم وتعمل وفق مبادئ الحیاد والمساواة واستمراریة المرفق العام ووفق قواعد الشفافیة والنزاهة والنجاعة والمساءلة"، وإدراج هذه الأحكام بباب المبادئ العامة له دلالة كبرى إذ یفید أن الدولة التونسیة لیست دولة اتحادیة أو جهویة تتسم بوجود تجمعات بشریة لها من الخصوصیات المحلیة مایفرض الاعتراف لها بسلطة محلیة متحّررة عن المركز تمارس عن طریق مجالس تشریعیة محلیة كما في ألمانیا أو في سویسرا أو في المملكة المتحدة أو في اسبانیا أو في إیطالیا وإنما هي دولة موحدة تعترف لا محالة بحیّز واسع من الحریة للجماعات المحلیة ولكن دون نفي الرقابة والمحاسبة والمساءلة التي یجب أن تخضع لها هذه الذوات العمومیة حفاظا على الوحدة الوطنیة للدولة ووحدة نظامها القانوني. فوحدة الدولة لا تعني فقط وحدتها الترابیة بل كذلك وحدتها القانونیة، وهذه الوحدة التي تقوم على أن السیادة الوطنیة لا تتجزأ تنفي وجود سلطة محلیة منافسة لمجلس نواب الشعب بوصفه صاحب السیادة، كما تفرض على السلطة الترتیبیة المحلیة ألا تحید في أعمالها عن التراتیب العامة التي یعود إلى رئیس الحكومة وحده اتخاذها، وهو ما یستوجب مراجعة القسم الرابع من الأحكام المشتركة من مشروع المجلة المتعلق بالسلطة الترتیبیة المحلیة في اتجاه مزید التدقیق. والمثال الثاني یتعلق بما جاء بالفصل 2 من مشروع المجلة من أن البلدیات تغطي كامل تراب الجمهوریة.
هذه الأحكام وإن كانت مطابقة لمقتضیات الفصل 131 من الدستور، فلا معنى لها لتعارضها البدیهي مع الواقع الترابي للدولة التونسیة الذي یفید أن 61 % من مساحة البلاد تتمثل في صحارى وغابات وأودیة، فضلا عن المیاه الإقلیمیة التي تعتبر جزءا لا یتجزأ من التراب الوطني، فهذه المناطق لا تصلح للعمران ولا یمكن الحدیث بشأنها عن تنظیم بلدي في غیاب تام للعمران وللمتساكن المحلي، وهو ما یؤكد أنه كان بالإمكان تجنب سیاسة الورقة البیضاء المدمرة التي انطلقت منها اللجنة التأسیسیة عند صیاغتها للباب السابع من الدستور.
النقطة الثانیة تتعلق بالجدوى: وتؤدي إلى طرح الأسئلة التالیة: هل أن الدولة مهیأة لاستیعاب هذا المشروع الضخم ؟ وهل لها في الوقت الراهن القدرة على تحمل كلفته الباهظة ؟ وهل للمواطن المحلي وللهیاكل المسیرة والرقابیة الوعي والتكوین الكافیین لاستیعاب ما یطرحه من رهانات ؟ وأخیرا، وهو الأمر الأهم بالنسبة للمواطن المحلي، هل سیؤدي إنجازه إلى تحسین ظروف عیشه وتقدیم خدمات أفضل من الخدمات المقدمة الیوم ؟
أخشى أن یكون الجواب عن جملة هذه الأسئلة بالنفي ضرورة أنه لا یمكن استنساخ منوال نشأ وترعرع في بلدان لها من الخصوصیات ما یبرر بعث سلطة محلیة مستقلة عن الدولة المركزیة، فالدولة التونسیة لیست دولة اتحادیة أو جهویة وإنما دولة وطنیة موحدة استقرت في حدودها الترابیة منذ حلول البایات الحسینیین سنة 1705.
فقد كان هذا التنظیم في عهد الحكم الحسیني یتسم بالسیطرة المطلقة للباي على الأطراف، وكان المركز یمارس هذه السلطة عبر ممثلیه (القاید والخلیفة والشیخ) في مختلف مناطق المملكة دون التقید بأي ضابط قانوني، كما أن اعتماد التنظیم البلدي لم یتم إلا سنة 1857 وذلك بإحداث أول بلدیة في تاریخ البلاد وهي بلدیة تونس.
ولم یحد الاستعمار عن هذا التنظیم، بل سعى إلى دعمه وتطویره وتوظیفه لإحكام السیطرة على كامل التراب الوطني، بالمحافظة على الأطر الترابیة التقلیدیة ولكن مع إخضاعها لرقابة المراقبین المدنیین والسلط العسكریة في مختلف أجزاء المملكة، كما قام بإحداث عدید البلدیات ولكن مع إقصاء الأهالي من كل تمثیل خدمة لمصلحة المستعمر. كما لم تجازف دولة الاستقلال بإلغاء العمل بهذا التنظیم، بل رأت أنه من الضروري المحافظة علیه وملائمته مع أولیات الدولة الحدیثة لما یمثله من أداة فاعلة لإرساء نظام سیاسي مستقر یدعم الوحدة القومیة كما تم تأكیده
2
صراحة بمقتضى توطئة دستور 1959، لذلك تم اعتماد تنظیم یقوم على سیطرة السلطة المركزیة على الجماعات المحلیة بهدف مقاومة الصراعات القبلیة والعشائریة المدمرة لوحدة كل دولة، غیر أن سرعة تحول هذا المشروع إلى أداة للانفراد بالسلطة، ینفي حریة المواطن المحلي في اختیار ممثلیه في المجالس المحلیة والاستقلالیة الفعلیة للهیاكل المسیرة في تصریف الشؤون المحلیة بكل حریة. لذلك اعتبر أنه من الأجدى مراعاة خصوصیات نظام اللامركزیة الترابیة في تونس، وأدعو المجلس من باب الواقعیة إلى عدم المصادقة على هذا المشروع الذي یتسم بتنكر تام لماضي وحاضر البلاد وینذر بزعزعة أركان الدولة، وأرى -بعیدا عن سیاسة الورقة البیضاء والأرض المحروقة المدمرة- أن الحكمة تقتضي الرجوع إلى الوراء مع تدارك العجز الدیمقراطي الموروث من نظام الاستبداد وذلك بتنظیم انتخابات محلیة في إطار القوانین الأساسیة للبلدیات وللمجالس الجهویة بعد مراجعتها وتطویرها وتنظیفها من رواسب الاستبداد.، وأعتقد جازما أن هذا الحل یمثل أخف الضررین بالنظر إلى حجم التحدیات التي یطرحها هذا المشروع الغریب عن محیطنا الطبیعي والتي لن تكون الدولة قادرة على رفعها:
1. بدءابالمستوى القانوني بإصدار ما یلزم من قوانین ومن أوامرمترابطة وهي عدیدة (قانون التقسیم الترابي الجدید، قانون إحداث صندوق دعم اللامركزیة والتعدیل المشار إلیه بالفصل 35 من مشروع المجلة، قانون تنظیم القضاء الإداري، قانون تنظیم القضاء المالي، فضلا عن ما لا یقل عن 34 أمر حكوميا تطبیقيا یحیل إلیها مباشرة مشروع المجلة)، وبمراجعة التشریعات والتراتیب الساریة التي لم تعد متجانسة مع النظام القانوني الجدید والتي لا تقل عددا عن الأولى (القانون الأساسي لمیزانیة الدولة، مجلة المحاسبة العمومیة، مجلة الجبایة المحلیة، مجلة التهیئة الترابیة والتعمیر، والقوانین والأوامر ذات الصلة بالصلاحیات المنقولة، إلخ).
2. مرورا بالمستوى السیاسي بتنظیم الانتخابات البلدیات ومراقبة شرعیتها، علما وأن هذه الانتخابات ستفرز اختیار ما لا یقل عن 7206 مستشار بلدي موزعین على 350 مجلسا منتخبا، سیكون من الصعب جدا بالنظر إلى طریقة الاقتراع المعتمدة إیجاد الأغلبیة القادرة على الحسم في المسائل الخلافیّة وهو ما ینذر بتفجیر الصراعات العشائریة والجهویة وتدني الخدمات المقدمة.
3. وختما بمستوى الوسائل المالیة والمادیة والبشریة بتسخیر ما یلزم من موارد مالیة وبشریة ومادیة لتوفیر الحد الأدنى من المباني والتجهیزات والإطارات والأعوان والأموال والمؤسسات اللازمة لتمكین الهیاكل المسیّرة من إدارة الشؤون المحلیة طبقا لمبادئ المساواة والاستمراریة والتأقلم والشفافیة والنزاهة والنجاعة والمساءلة التي أقرها الفصل 66 من هذه المجلة.
أما النقطة الثالثة فهي تتعلق بالتقسیم الترابي وأكتفي هنا بطرح الإشكالیتین التالیتین:
1. الأولى تتعلق بدستوریة الفصلین 194 و291 من مشروع المجلة:
فهذه الأحكام تنص على أن القانون یقر البلدیات والجهات التي سبق إنشاؤها والمضمنة بالملاحق "أ" و "ب" في نطاق حدودها الترابیة، على أن ما یشد الانتباه هو أن هذا التقسیم الترابي الجدید وهذا الإحداث لجماعات محلیة جدیدة لم یتم بمقتضى قانون كما تقره الفقرة الثانیة من الفصل 131 من الدستور وإنما بأوامر حكومیة صدرت خلال سنتي 2015 و2016 تم بمقتضاها توسعة حدود الـ187 بلدیة قائمة وإحداث 86 بلدیة جدیدة والإبقاءعلى حدود 77 بلدیة في حدودها الترابیة القدیمة، وهو ما یجعل دستوریّة هذه الأحكام محل شك كبیر.
2. والثاني یتعلق بالخیارات الترابیة المتعلقة بهذه المنظومة الجدیدة
3 في هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن إقرار ثلاثة مستویات من اللامركزیة یتعارض مع الخیار الذي تم اعتماده في البلدان الكبیرة الذي یقتصر على مستویین فقط من اللامركزیة، لذلك سیكون لإحداث مستوى ثالث من اللامركزیة یتمثل في الأقالیم أسوأ الآثار على التنظیم الإداري للدولة نظرا لكلفته الباهظة وللمخاطر التي تترتب عن صعوبة التوّصل إلى التوافقات اللازمة بخصوص التقسیم الترابي لهذا الصنف الجدید من الجماعات المحلیة وبخصوص تحدید مراكزها الترابیة إذ ینذر بإحیاء النعرات القبلیة والعشائریة والجهویة التي بدأنا نشاهد بوادرها الهدامة. ولعل ذلك ما یفسر أن مشروع المجلة قد قرر إرجاء النظر فيه ، وهو خیار صائب نظرا للحساسیة البالغة في الوقت الراهن. كما أن فك الارتباط بین الولایة كدائرة ترابیة للمصالح الجهویة للدولة والجهة كدائرة ترابیة لمصالح هذه الجماعة المحلیة الجدیدة سیؤدي بالدولة إلى تمكین المجالس الجهویة التي سیتم انتخابها وهیاكلها المسیّرة من الوسائل اللازمة لتصریف شؤونها في استقلالیة تامة عن الدولة وسیكلف المجموعة الوطنیة أعباء جدیدة لا طاقة على تحملها.
بقي أن نشیر إلى أن إحداث ما لا یقل عن 86 بلدیة جدیدة لا یتماشى مع التوجه العام الذي نشهده في البلدان المتقدمة والذي یتمثل في تجمیع البلدیات تحقیقا لأوجه التآزر ووفورات الحجم وضمانا لترشید استعمال القدرات المتاحة.
وتتعلق النقطة الرابعة بالصلاحیات وما یقابلها من وسائل مالیة وبشریة: ولعلها من أدق الإشكالیات التي یطرحها هذا المشروع لما تفرضه من مراجعة للعلاقة

القائمة بین المركزي والمحلي ومن تنظیم علاقة الجماعات المحلیة فیما بینها ولعلاقتها مع المواطن المحلي في إطار مبادئ الحوكمة المفتوحة والدیمقراطیة التشاركیة التي سعى الباب من الأحكام المشتركة إلى تنظیمها.
وهذا التوزیع الجدید للأدوار یستوجب:
1. تحدیدا دقیقا للصلاحیات الذاتیة لكل صنف من الجماعات المحلیة، وضبط صلاحیاتها المشتركة مع الدولة، وتحویل الصلاحیات المنقولة إلیها.
ویجب أن یتم ذلك على أساس مبدإ جدید، لم یسبق اعتماده من قبل، تم نقله من بلدان لها تقالید راسخة في الحكم المحلي، وهو مبدأ التفریع الذي یعني، طبقا لما جاء بالفصل 14 من المجلة، بأنه یعود الى كل صنف من الجماعات المحلیة ممارسة الصلاحیات التي تكون الأجدر بممارستها بحكم قربها من المواطن المحلي وقدرتها على الأداء الأفضل للمصالح المحلیة مع الحرص على أن یكون كل إحداث صلاحیات جدیدة أو نقل لها من السلطة المركزیة مقترنا بما یناسبه من موارد مالیة تطبیقا لأحكام الفصل 135 من الدستور.
2. وضع آلیات الدیمقراطیة التشاركیة ومبادئ الحوكمة المفتوحة التي أوجبها الفصل 139 من الدستور وهو ما تم تكریسه بمقتضى القسم الخامس من الأحكام المشتركة لهذه المجلة.
وبالرجوع إلى التجارب الشبیهة، وخاصة إلى التجربة الفرنسیة التي انطلقت بصدور القوانین المتعلقة باللامركزیة الترابیة منذ سنة 1982 والتجربة المغربیة التي انطلقت منذ سنة 2002 یتضح أن مسار اللامركزیة طویل ومعقد لما یترب عنه من إحداث ثورة في النظام القانوني للدولة، إذ لیس من الیسیر على السلطة المركزیة العدول عن الصلاحیات التي كانت تستأثر، كما لیس من المعتاد في تقالیدنا تمكین المواطن المحلي من الاطلاع على أعمال الهیاكل المسیّرة وتشریكه في صنع القرار المحلي، لذلك نرى أن لا مناص في هذا المجال من توخي الحذر الشدید واعتماد سیاسة التدرج وعدم تحمیل الجماعات المحلیة مسؤولیات جدیدة لا قدرة لها على تحملها.
4. غیر أن ما یثیر الحیرة وما یعزز الشكوك حول صدق نوایا المشرفین على هذا المشروع هو أنه بالرغم من إقرار المجلة صلاحیات واسعة لفائدة الجماعات المحلیة وتحمیلها مسؤولیات جدیدة فإن قوانین المالیة والجبائیة المتعاقبة لم تسع إلى التحویل ما یناسب ذلك من موارد وتزویدها بالموارد الضروریة لتمكینها من انتداب الإطارات والأعوان البلدیین وتسدید المنح لمسیریها وتخصیص المباني واقتناء التجهیزات والمعدات الضروریة لتركیز مختلف مصالحها ومجابهة المصاریف المختلفة التي ستنجر عن تسییر الشؤون المحلیة، إذ بقیت البلدیات تشكو من تبعیة تامة إزاء السلطة المركزیة لا تتجاوز نسبة التأطیر فیها 10 % ولا تتجاوز مواردها كامل مواردها 4 % ومواردها الذاتیة 2 % تقریبا من میزانیة الدولة.
وأنهي بالنقطة الخامسة والأخیرة المتعلقة بالرقابة: هذه النقطة تعد من أهم الإشكالیات التي یطرحها هذا المشروع ضرورة أن اللامركزیة في الدول الموحدة لاتعني تحّرر الجماعات المحلیة من كل رقابة وإنما فقط تحریرها من الوصایة التي كانت مسلطة علیها من طرف السلطة المركزیة، ویتم ذلك عادة بحذف كل رقابة سابقة على أعمالها (رقابة الإشراف والتأشیرة السابقة لمراقب المصاریف والموافقة المسبقة للجان مراقبة الصفقات المحلیة) ولكن مع إبقائها خاضعة للرقابة اللاحقة للهیاكل الرقابية الإداریة ذات الاختصاص الأفقي (هیئة الرقابة العامة للمرافق العمومیة وهیئة الرقابة العامة للمالیة وهیئة الرقابة العامة لأملاك الدولة، وهیئة الحوكمة الرشیدة ومكافحة الفساد) وبتعویض رقابة الإشراف برقابة الجدوى على تصرفاتها المالیة الموكولة الى القضاء المالي وبرقابة الشرعیة على أعمالها الإداریة الموكولة الى القضاء الإداري، كل ذلك مع ضرورة الإدراك بأن مختلف أعمال الجماعات المحلیة ـ باستثناء تلك المتعلقة بالمیزانیة التي تتسم بنوع من الخصوصیة ـ هي أعمال إداریة بالأساس یجب أن تبقى خاضعة للنظام العام وللأعمال الإداریة ولرقابة القاضي الإداري. على أن ما یشد الانتباه بالرجوع إلى مشروع هذه المجلة هو:
1. تضمنه أحكاما مبعثرة (الفصول 97 و137 و213 و137 و242 و265 و267 و296 و320 و330 و336) لم یقع جمعها وتبویبها في قسم خاص تابع للأحكام المشتركة یعنى بتنظیم هذه المسألة وتیسیر قراءة واستیعاب الحلول المعتمدة لمعالجتها بالرغم من أهمیتها البالغة على تماسك وانسجام التنظیم الإداري للدولة. 2. تجاهله خصوصیة رقابة القضاء المالي على حسن التصرف في المال العام المحلي التي تتجاوز مجرد رقابة الشرعیة المالیة والإداریة على تصرفات أمر الصرف لتصل إلى مراقبة نجاعتها وجدواها.
ویكفي للتأكد من ذلك الرجوع إلى الفصل 117 من الدستور الذي ینص على أن محكمة المحاسبات تختص بمراقبة حسن التصرف في المال العام طبقا لمبادئ الشرعیة والنجاعة والشفافیة، وتقضي في حسابات المحاسبین العمومیین، وهذا الدور لا یختلف كثیرا عن ذلك الذي تمارسه دائرة المحاسبات الیوم والذي یؤول إلى التمییز بین الرقابة الإداریة لهذه المحكمة التي تنصب على أعمال تصرف المسؤولین المحلیین وبین الرقابة القضائیة التي تنصب على الأعمال المالیة للمحتسبین العمومیین، غیر أنه بالرجوع إلى الأحكام الواردة في هذه المجلة یلاحظ تجاهلها لهذه المبادئ وذلك بتكلیف أمین المال الجهوي أو الوالي بالاعتراض على إجراءات إبرام بعض العقود أو على أعمال التصرف المالي لآمري الصرف أمام غرف المحاسبات الجهویة وإسناد هذه الأخیرة اختصاص النظر فیها قضائیا عوضا عن القاضي الإداري (الفصول 88 و103 و137،...).
3. تجاهله طبیعة الرقابة وحجم الرقابة التي سیكون الوالي مضطرا الى ممارستها على مختلف الأعمال المحلیة، بوصفه ممثل الدولة بالجهة، وخلطه بین الرقابة الموكولة إلى القضاء المالي والرقابة الموكولة الى القضاء الإداري وعدم سعیه الى تجنب اختناق المحاكم الإداریة الجهویة بسبب التدفق المحتمل للطعون على شرعیة هذه الأعمال.
5. هذا النوع من الرقابة یتسم في الأنظمة القانونیة المقارنة بتعلیق نفاذ أهمها (مداولات المجالس المحلیة، القرارات التي تتخذ من رئیسها بتفویض من المجلس، القرارات الترتیبیة للسلط التنفیذیة المحلیة، قرارات انتداب وعزل الأعوان المحلیین، قرارات الضبط الإداري المحلي، قرارات الترخیص في البناء أو التقسیم وقرارات الهدم، الاتفاقات المتعلقة بالأسواق وبالقروض، عقود تفویض المرافق العامة، الصفقات العمومیة، عقود الشراكة بین القطاع العام والقطاع الخاص،...) على إحالتها وجوبا على ممثل الدولة بالجهة لتمكینه من النظر في إمكانیة الطعن فیها أمام المحكمة الإداریة الجهویة المختصة في أجل محدد، وبانقضاء الأجل المذكور دون ممارسة الجهة الإداریّة حق الطعن تدخل هذه الأعمال حیز النفاذ، غیر أنه بالرجوع إلى الأحكام الواردة بهذه المجلة لا نجد مثیلا لهذا الإجراء كما نلاحظ إسناد حق الاعتراض على هذا النوع من الأعمال أمام الغرف الجهویة لمحكمة المحاسبات، وهو ما سیساهم في إرباك الجهة المخول لها الاعتراض وسیكون له أسوأ التأثیر على نجاعة هذه الرقابة. تلك بعض الخواطر التي یسمح بها الحیز الزمني الضیق المخصص لهذه المداخلة، ولا أرید أن أنهي دون إعادة التحذیر من مغبة اعتماد هذا المشروع الذي یمثل خطرا على تماسك وانسجام النظام القانوني للدولة، علما أن العلة لا تكمن في مشروع المجلة في حد ذاته بقدر ما توجد في الأحكام الدستوریة المتعلقة بالسلطة المحلیة التي جاءت في قطیعة تامة مع واقع البلاد.

بقلم رضا جنیح (دكتورا دولة في الحقوق أستاذ مبرز في القانون العام)
وخزة:إرهاب الـ «نات» !
24 فيفري 2018 السّاعة 21:00
ينبغي على السلط المعنية بالطفولة دقّ ناقوس الخطر إزاء ألعاب الـ «نات» التي ما انفكّت تحصد أرواح أطفال...
المزيد >>
وخزة:سيّارات الموت !
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
لن تخطئ إذا أطلقت توصيف «سيارات الموت» على عربات النقل الريفي أو التاكسي الجماعي فأصحاب هذه السيارات لا...
المزيد >>
مرايــــــا:جلباب «الربيع العربي»... لـم يكن جلبابنا !
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
مازال ما سمّي بـ«الربيع العربي» يثير الكثير من الجدل والنقاشات والتقييمات... البعض يعتبره بالفعل ربيعا. ومعه...
المزيد >>
أولا وأخيرا:سيدي، سيدي، وين ماشين ؟
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
سادتي المربّون الأكارم الأفاضل:
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
ربيـــع تونســـي يُزهـــر
خطوة مهمّة تقطعها بلادنا على درب تكريس مقتضيات الانتقال الديمقراطي.وقد أبانت مرحلة تقديم الترشحات للانتخابات البلديّة عن حسّ مدني واسع منتصر لخيار المنافسة الانتخابية والاحتكام...
المزيد >>