خطبة الجمعة ... الفلاح في محاسبة النفس
عبد الجليل المسعودي
معركة يجب كسبها
مرّة أخرى تبرز واضحة جلية للعيان صعوبة الوضع الذي تردت فيه بلادنا بسبب مستوى نخبتها السياسية التي لم تعد تنظر إلى الأحداث الوطنية والتطورات الاقتصادية والاجتماعية إلا عبر شبكة...
المزيد >>
خطبة الجمعة ... الفلاح في محاسبة النفس
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 26 جانفي 2018

ان صلاح القلب بمحاسبة النفس وفساده بإهمالها، قال ابن حبان :» أفضل ذوي العقول منزلةً أدومهم لنفسه محاسبة «، وغياب محاسبة النفس نذير غرق العبد في هواه، وما أردى الكفار في لجج العمى إلا ظنهم أنهم يمرحون كما يشتهون بلا رقيب، ويفرحون بما يهوون بلا حسيب، قال -سبحانه- عنهم (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابا) [النبأ 27 ].. والاطلاع على عيب النفس ونقائصها يلجمها عن الغي، ومعرفة العبد نفسه وأن مآله إلى القبر يورثه تذللا وعبودية لله.. فلا يعجب بعمله مهما عظم ولا يحتقر ذنبا مهما صغر، والتعرف على حق الله وعظيم فضله وآلائه يطأطئ الرأس للجبار -جل وعلا-..قال ابن القيم «بداية المحاسبة أن تقايس بين نعمته -عز وجل- وجنايتك، فحينئذ يظهر لك التفاوت وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته أو الهلاك والعطب».
وتفقد عيوب النفس يزكيها ويطهرها..قال -جل وعلا- : (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس 9 – 10 ]، وإن أضر ما على المكلف إهمال النفس وترك محاسبتها والاسترسال خلف شهواتها حتى تهلك، وهذا حال أهل الغرور الذين لا يحترزون من الوقوع في المعاصي ويتكلون على العفو والرحمة، وإذا فعلوا ذلك سهلت عليهم مواقعة الذنوب وصغر في أعينهم وبالها.. والله يقول : (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار 6]، قال الحسن البصري : « لا يليق بالمؤمن إلا أن يعاتب نفسه، وأما الفاجر فيمضي قدما لا يعاتب نفسه».
والمؤمن قوامٌ على نفسه يحاسبها.. قال -جل وعلا- : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف 201].. وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وشق الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة؛ فوجب توقي الوقوع في الزلة فترك الذنب أيسر من طلب التوبة، مع ضرورة تأنيب النفس على التقصير في الطاعات؛ فالأيام لا تدوم ولا يعلم احد متى يكون عن الدنيا راحلا، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا «..
ومن الضروري ان يحرص المسلم على المحافظة على الصلوات الخمس والتزود من العلم النافع والسعي في نشره وتعليمه، وحفظ اللسان من المحرمات - من الكذب والغيبة والفحش- واجتناب ما لا يحل.. والحرص على بر الوالدين وصلة الأرحام وبذل المعروف للقريب والبعيد، وتطهير القلب من الحسد والعداوة والبغضاء، والحذر من الوقوع في أعراض المسلمين.. والاجتهاد بالقيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء حقوق الأولاد والزوجة على الوجه الأكمل، وغض البصر عن النظر إلى المحرمات في الطرقات. فطوبى لعبدٍ انتفع بعمره وحاسب نفسه على ما مضى؛ فكل يوم تغرب فيه شمسه ينذر بنقصان العمر، والعاقل من اتعظ بأمسه واجتهد في يومه واستعد لغده.. فخذ الأهبة لآزف النقلة وأعد الزاد لقرب الرحلة.. وخير الزاد ما صحبه التقوى، قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر 18].
الخطبة الثانية
ان نصيب الإنسان من الدنيا عمره؛ فإن أحسن اغتنامه بما ينفعه في دار القرار فقد ربحت تجارته.. وإن أساء اغتنامه وأكثر من المعاصي والسيئات بارت بضاعته، والموفق من حاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله واغتنم وقته وعرف دواءه من دائه ولم يهمل فيهمل. والخير في الطاعة والشر في المعصية، والحياة ميدان فسيح لصالح الأعمال.. والتسويف لا يورث سوى الندم والتوبة تمحو الزلة. والسعيد من استودع مدة عمره صالحا من عمله، والشقي من هدت عليه جوارحه بقبيح زلاته فمحاسبة النفس طريقة المؤمنين وسمة الموحدين وعنوان الخاشعين فالمؤمن متق لربه محاسب لنفسه مستغفر لذنبه يعلم أن النفس خطرها عظيم وداؤها وخيم ومكرها كبير وشرها مستطير فهي أمارة بالسوء ميالة إلى الهوى داعية إلى الجهل، قائدة إلى الهلاك تواقة إلى اللهو إلا من رحم الله فلا تترك لهواها لأنها داعية إلى الطغيان، من أطاعها، قادته إلى القبائح ودعته إلى الرذائل وخاضت به المكارة... وغوائلها عجيبة ونزعاتها مخيفة وشرورها كثيرة فمن ترك سلطان النفس حتى طغى فإن له يوم القيامة مأوي من جحيم ال تعالى ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات 37 - 39] (وعلى النقيض ) ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات 40، 41]. .

خطبة الجمعة ... الاسلام دين العدل
16 فيفري 2018 السّاعة 23:11
العدل من أسماء الله الحسنى ومن تجليات الجلال والكمال لرب الأكوان، أمر الله تعالى به عباده فقال: ﴿ إِنَّ...
المزيد >>
الاسلام قدّس الرابطة الزوجية
16 فيفري 2018 السّاعة 21:00
وضع الإسلام الكثير من الضوابط التي تصون الأسرة المسلمة وتحفظها من التفكك وتؤدّي إلى استقرارها وأمنها...
المزيد >>
كيف تكون الأسرة سعيدة في الاسلام؟
16 فيفري 2018 السّاعة 21:00
تعتبر الأسرة في نظر الإسلام النواة الأولى للمجتمع الصالح فصلاح الفرد من صلاح الأسرة وصلاح المجتمع بأسره...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الاسلام دين العلم ( 7 )
16 فيفري 2018 السّاعة 21:00
الاصل الاول في مسألة البدع والمحادثات ما هو معلوم مشهور من ذم البدعة وحدثات الامور ، وهو المعنى الذي جعل...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خطبة الجمعة ... الفلاح في محاسبة النفس
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 26 جانفي 2018

ان صلاح القلب بمحاسبة النفس وفساده بإهمالها، قال ابن حبان :» أفضل ذوي العقول منزلةً أدومهم لنفسه محاسبة «، وغياب محاسبة النفس نذير غرق العبد في هواه، وما أردى الكفار في لجج العمى إلا ظنهم أنهم يمرحون كما يشتهون بلا رقيب، ويفرحون بما يهوون بلا حسيب، قال -سبحانه- عنهم (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابا) [النبأ 27 ].. والاطلاع على عيب النفس ونقائصها يلجمها عن الغي، ومعرفة العبد نفسه وأن مآله إلى القبر يورثه تذللا وعبودية لله.. فلا يعجب بعمله مهما عظم ولا يحتقر ذنبا مهما صغر، والتعرف على حق الله وعظيم فضله وآلائه يطأطئ الرأس للجبار -جل وعلا-..قال ابن القيم «بداية المحاسبة أن تقايس بين نعمته -عز وجل- وجنايتك، فحينئذ يظهر لك التفاوت وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته أو الهلاك والعطب».
وتفقد عيوب النفس يزكيها ويطهرها..قال -جل وعلا- : (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس 9 – 10 ]، وإن أضر ما على المكلف إهمال النفس وترك محاسبتها والاسترسال خلف شهواتها حتى تهلك، وهذا حال أهل الغرور الذين لا يحترزون من الوقوع في المعاصي ويتكلون على العفو والرحمة، وإذا فعلوا ذلك سهلت عليهم مواقعة الذنوب وصغر في أعينهم وبالها.. والله يقول : (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار 6]، قال الحسن البصري : « لا يليق بالمؤمن إلا أن يعاتب نفسه، وأما الفاجر فيمضي قدما لا يعاتب نفسه».
والمؤمن قوامٌ على نفسه يحاسبها.. قال -جل وعلا- : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف 201].. وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وشق الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة؛ فوجب توقي الوقوع في الزلة فترك الذنب أيسر من طلب التوبة، مع ضرورة تأنيب النفس على التقصير في الطاعات؛ فالأيام لا تدوم ولا يعلم احد متى يكون عن الدنيا راحلا، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا «..
ومن الضروري ان يحرص المسلم على المحافظة على الصلوات الخمس والتزود من العلم النافع والسعي في نشره وتعليمه، وحفظ اللسان من المحرمات - من الكذب والغيبة والفحش- واجتناب ما لا يحل.. والحرص على بر الوالدين وصلة الأرحام وبذل المعروف للقريب والبعيد، وتطهير القلب من الحسد والعداوة والبغضاء، والحذر من الوقوع في أعراض المسلمين.. والاجتهاد بالقيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء حقوق الأولاد والزوجة على الوجه الأكمل، وغض البصر عن النظر إلى المحرمات في الطرقات. فطوبى لعبدٍ انتفع بعمره وحاسب نفسه على ما مضى؛ فكل يوم تغرب فيه شمسه ينذر بنقصان العمر، والعاقل من اتعظ بأمسه واجتهد في يومه واستعد لغده.. فخذ الأهبة لآزف النقلة وأعد الزاد لقرب الرحلة.. وخير الزاد ما صحبه التقوى، قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر 18].
الخطبة الثانية
ان نصيب الإنسان من الدنيا عمره؛ فإن أحسن اغتنامه بما ينفعه في دار القرار فقد ربحت تجارته.. وإن أساء اغتنامه وأكثر من المعاصي والسيئات بارت بضاعته، والموفق من حاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله واغتنم وقته وعرف دواءه من دائه ولم يهمل فيهمل. والخير في الطاعة والشر في المعصية، والحياة ميدان فسيح لصالح الأعمال.. والتسويف لا يورث سوى الندم والتوبة تمحو الزلة. والسعيد من استودع مدة عمره صالحا من عمله، والشقي من هدت عليه جوارحه بقبيح زلاته فمحاسبة النفس طريقة المؤمنين وسمة الموحدين وعنوان الخاشعين فالمؤمن متق لربه محاسب لنفسه مستغفر لذنبه يعلم أن النفس خطرها عظيم وداؤها وخيم ومكرها كبير وشرها مستطير فهي أمارة بالسوء ميالة إلى الهوى داعية إلى الجهل، قائدة إلى الهلاك تواقة إلى اللهو إلا من رحم الله فلا تترك لهواها لأنها داعية إلى الطغيان، من أطاعها، قادته إلى القبائح ودعته إلى الرذائل وخاضت به المكارة... وغوائلها عجيبة ونزعاتها مخيفة وشرورها كثيرة فمن ترك سلطان النفس حتى طغى فإن له يوم القيامة مأوي من جحيم ال تعالى ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات 37 - 39] (وعلى النقيض ) ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات 40، 41]. .

خطبة الجمعة ... الاسلام دين العدل
16 فيفري 2018 السّاعة 23:11
العدل من أسماء الله الحسنى ومن تجليات الجلال والكمال لرب الأكوان، أمر الله تعالى به عباده فقال: ﴿ إِنَّ...
المزيد >>
الاسلام قدّس الرابطة الزوجية
16 فيفري 2018 السّاعة 21:00
وضع الإسلام الكثير من الضوابط التي تصون الأسرة المسلمة وتحفظها من التفكك وتؤدّي إلى استقرارها وأمنها...
المزيد >>
كيف تكون الأسرة سعيدة في الاسلام؟
16 فيفري 2018 السّاعة 21:00
تعتبر الأسرة في نظر الإسلام النواة الأولى للمجتمع الصالح فصلاح الفرد من صلاح الأسرة وصلاح المجتمع بأسره...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الاسلام دين العلم ( 7 )
16 فيفري 2018 السّاعة 21:00
الاصل الاول في مسألة البدع والمحادثات ما هو معلوم مشهور من ذم البدعة وحدثات الامور ، وهو المعنى الذي جعل...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
معركة يجب كسبها
مرّة أخرى تبرز واضحة جلية للعيان صعوبة الوضع الذي تردت فيه بلادنا بسبب مستوى نخبتها السياسية التي لم تعد تنظر إلى الأحداث الوطنية والتطورات الاقتصادية والاجتماعية إلا عبر شبكة...
المزيد >>