محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ...الاسلام دين العلم (3)
خالد الحدّاد
ربيـــع تونســـي يُزهـــر
خطوة مهمّة تقطعها بلادنا على درب تكريس مقتضيات الانتقال الديمقراطي.وقد أبانت مرحلة تقديم الترشحات للانتخابات البلديّة عن حسّ مدني واسع منتصر لخيار المنافسة الانتخابية والاحتكام...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ...الاسلام دين العلم (3)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 جانفي 2018

انحاز المنهج الاسلامي الى المنهج الواقعي على معنى يميزه عن جميع المسالك التي كانت سائرة في سبيل الواقعية مخالفة للمذهب السفسطائي. فان الواقعيين من الحكماء الذين تقدموا دعوة الاسلام قد كانوا في حقيقتهم واقعيين انحيازيين لانهم وان اثبتوا حقائق الاشياء الا انهم في ادراكها قد اختلفوا فكل مذهب من المذاهب اثبت طريقا من طرق الادراك وعطل طريقا اخر، فهنالك مثلا « الحاسيين « الذين اثبتوا ادراك الحس وانكروا ادراك العقل. والعقليون الذين كانوا بعكس ذلك مثبتين لادراك العقل نافين لادراك الحس. فجاء مذهبا مبنيا على الشمول وعلى الاستقلال ومقررا لواقعية غير محصورة فهو مبني على الشمول لانه يجعل جميع الحقائق الموجودة قابلة للادراك ولا يستثني منها كما استثنت بعض المذاهب ومبني على الاستقلال لانه لا يتبع العقليين ولا الحاسدين ولا الاشراقيين لان كل طريق من هذه الطرائق انما اثبت منهجا للمعرفة وعطل مناهج اخرى وكانت مبنية على الواقعية غير المحصورة او الواقعية غير المنحازة لانها بنيت على ان الواقع يستطاع ادراكه وانه ليس في الواقع ما لا يمكن ادراكه وان وسائل الادراك كلها صالحة لان تستعمل ولان تحقق المطلوب من الادراك باستعمال كل وسيلة منها في محلها فالحس للمدركات الحسية ووراء المدركات العقلية وطريق تحصيله انما هو الوحي .
وعلى ذلك فان قضية العلم حين وضعت في تاريخ التفكير الاسلامي، وضعت من اول مرة على وضعين متباينين احدهما الوضع الاسلامي وهو الوضع الذي تتبع ادلته علماء الدين واستخلصوا من تلك الادلة الاصول والقواعد وخططوا المنهج العلمي الذي سار عليه اهل السنة قبل نشأة علم الكلام ثم الذي بني عليه علم الكلام بعد نشأته على الطرائق التي سلكها المتكلمون في تقرير معنى العلم ووسائله وحدوده وطرق تحصيله.
واما الطريقة الاخرى فهي الطريقة المقابلة لهذه الطريقة وهي طريقة طائفة من المسلمين لم يتمكنوا من الحكمة الدينية تمكنهم الكامل وان تمكنوا من غيرها تمكنا كاملا وهم الحكماء الذين نشؤوا على الحكمة المنقولة وتعلقوا بها وبمذاهبها وبرعوا فيها حتى ناظروا رجالها وناقشوهم في نظرياتهم من امثال الكندي والفرابي وابن سينا واخوان الصفا. فهؤلاء انما كانوا ينظرون الى قضية العلم نظرا غير مؤسس على المنهج الديني لانهم كانوا غير مستطيعين الرجوع الى الاصول واستخراج القواعد والنظريات الجزئية منها فذهبوا يتابعون الطرائق القديمة والمذاهب البائدة في تقرير معنى العلم بصورة جعلتهم يشعرون من انفسهم قبل ان يشعر منهم غيرهم بانهم سائرون على منهج لا يمكن ان يتساير ولا ان يتلاءم مع المنهج الاسلامي الا على ضرب من التأويل فذهبوا سائرين في طريقهم متعلقين بالمناهج المشائية والاشراقية وغيرها واتى المتكلمون الذين تأثروا بذلك وهم المعتزلة فبدأوا يتأولون للجميع بين المعاني الدينية التي انكر الناس تلاقيها مع ظواهر تلك المقالات الفلسفية. وبين تلك المقالات الفلسفية على معنى من تأويل هذا بذاك وتأويل ذلك بالاخر حتى ظهرت الطريقة الكلامية التي بنيت على ضبط ما هو مستخلص بأئمة السنة الاولين من القضايا التفصيلية التي هي مستنبطة من ادلتها الاجمالية في ما يرجع الى حقيقة العلم وطرقه وقواعد تحصيله.
وقد وقع الذين تمسكوا بالمذهب العلمي غير الاسلامي وهو المذهب اليوناني في اغلاط فادحة فمنهم من مال الى تعطيل الشريعة بالتأويل مثل اخوان الصفا ومنهم من مال الى التفكيك بين نظريتي العلم والعمل فجاء علم الفقه من المطالب العملية التطبيقية التي يعود اليها قيام المدينة الفاضلة ولم يعطه حظا من المعارف النظرية مثل الفارابي ومنهم من حدد العلوم تحاديد مختلفة مدخولة كما وقع لابن سينا.
كل ذلك والعاكفون على دراسة الاسلام دراسة اسلامية صحيحة على وجهها المستقيم كانوا يتجهون الى استخلاص الجزئيات من ادلتها والتفاصيل من مجملاتها ويسيرون في ذلك على الطرائق التي كانت تنتهي بهم الى وضع اصول العلوم.
وقد وضع الامام الشافعي في رسالته المشهورة اصول علوم الفقه كما وضع الامام مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه اصول علم الحديث ووصع الامام الاشعري اصول علم العقيدة ووضع الامام القشيري اصول علم التصوف الا ان كل واحد من هؤلاء كان يختص بوضع الاصول في ناحية معينة وجهة مفردة منحازة هي التي ترجع الى الموضوع الذي هو قيم عليه بحيث انه لم توضع اصول عامة للمناهج العلمية بصورة شاملة وان كانت تلك الاصول ثابتة ومستقرة عند العلماء من ائمة الدين الا انهم لم يبرزوها ولم يفصحوا عنها ولم يضعوا لها قوالب القواعد الضابطة لها كما وقع بالنسبة للفقه وللاجتهاد بذاته فقد مضت اجيال الفقهاء من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وهم يتفقهون ولهم في فقههم منهج ولهم في عمل استنباطهم اصول الا انهم لم يكونوا يعبرون عن تلك الاصول ولا يضبطونها وانما كانوا يشعرون بها شعورا وجدانيا ويبنون عليها عملهم بناء الاثر على النظر بصورة لم تظهر معها القواعد والنظريات الا في منتصف القرن الثاني منذ بدأت تظهر المذاهب وبدأوا يتناقشون في حجية دليل من الادلة دون حجية دليل آخر.
يتبع

ملف الأسبوع .. المساواة في الميراث بين النص والاجتهاد
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث مطلب قديم يتجدَّد بين الحين والآخر، والجديد فيه اليوم ما...
المزيد >>
الاسلام أعدل الشرائع في المواريث
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
كثر الحديث في المدة الأخيرة عن الأسرة
المزيد >>
قسمة المواريث اختص بتحديدها الله وحده
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
امتاز نظام الإرث في الإسلام عن غيره من أنظمة التوريث الوضعية
المزيد >>
خطبة الجمعة .. أثر الإيمان في حياة الإنسان
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
الإيمان، هو أن تؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، حلوه ومره مصداق ذلك...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ...الاسلام دين العلم (3)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 جانفي 2018

انحاز المنهج الاسلامي الى المنهج الواقعي على معنى يميزه عن جميع المسالك التي كانت سائرة في سبيل الواقعية مخالفة للمذهب السفسطائي. فان الواقعيين من الحكماء الذين تقدموا دعوة الاسلام قد كانوا في حقيقتهم واقعيين انحيازيين لانهم وان اثبتوا حقائق الاشياء الا انهم في ادراكها قد اختلفوا فكل مذهب من المذاهب اثبت طريقا من طرق الادراك وعطل طريقا اخر، فهنالك مثلا « الحاسيين « الذين اثبتوا ادراك الحس وانكروا ادراك العقل. والعقليون الذين كانوا بعكس ذلك مثبتين لادراك العقل نافين لادراك الحس. فجاء مذهبا مبنيا على الشمول وعلى الاستقلال ومقررا لواقعية غير محصورة فهو مبني على الشمول لانه يجعل جميع الحقائق الموجودة قابلة للادراك ولا يستثني منها كما استثنت بعض المذاهب ومبني على الاستقلال لانه لا يتبع العقليين ولا الحاسدين ولا الاشراقيين لان كل طريق من هذه الطرائق انما اثبت منهجا للمعرفة وعطل مناهج اخرى وكانت مبنية على الواقعية غير المحصورة او الواقعية غير المنحازة لانها بنيت على ان الواقع يستطاع ادراكه وانه ليس في الواقع ما لا يمكن ادراكه وان وسائل الادراك كلها صالحة لان تستعمل ولان تحقق المطلوب من الادراك باستعمال كل وسيلة منها في محلها فالحس للمدركات الحسية ووراء المدركات العقلية وطريق تحصيله انما هو الوحي .
وعلى ذلك فان قضية العلم حين وضعت في تاريخ التفكير الاسلامي، وضعت من اول مرة على وضعين متباينين احدهما الوضع الاسلامي وهو الوضع الذي تتبع ادلته علماء الدين واستخلصوا من تلك الادلة الاصول والقواعد وخططوا المنهج العلمي الذي سار عليه اهل السنة قبل نشأة علم الكلام ثم الذي بني عليه علم الكلام بعد نشأته على الطرائق التي سلكها المتكلمون في تقرير معنى العلم ووسائله وحدوده وطرق تحصيله.
واما الطريقة الاخرى فهي الطريقة المقابلة لهذه الطريقة وهي طريقة طائفة من المسلمين لم يتمكنوا من الحكمة الدينية تمكنهم الكامل وان تمكنوا من غيرها تمكنا كاملا وهم الحكماء الذين نشؤوا على الحكمة المنقولة وتعلقوا بها وبمذاهبها وبرعوا فيها حتى ناظروا رجالها وناقشوهم في نظرياتهم من امثال الكندي والفرابي وابن سينا واخوان الصفا. فهؤلاء انما كانوا ينظرون الى قضية العلم نظرا غير مؤسس على المنهج الديني لانهم كانوا غير مستطيعين الرجوع الى الاصول واستخراج القواعد والنظريات الجزئية منها فذهبوا يتابعون الطرائق القديمة والمذاهب البائدة في تقرير معنى العلم بصورة جعلتهم يشعرون من انفسهم قبل ان يشعر منهم غيرهم بانهم سائرون على منهج لا يمكن ان يتساير ولا ان يتلاءم مع المنهج الاسلامي الا على ضرب من التأويل فذهبوا سائرين في طريقهم متعلقين بالمناهج المشائية والاشراقية وغيرها واتى المتكلمون الذين تأثروا بذلك وهم المعتزلة فبدأوا يتأولون للجميع بين المعاني الدينية التي انكر الناس تلاقيها مع ظواهر تلك المقالات الفلسفية. وبين تلك المقالات الفلسفية على معنى من تأويل هذا بذاك وتأويل ذلك بالاخر حتى ظهرت الطريقة الكلامية التي بنيت على ضبط ما هو مستخلص بأئمة السنة الاولين من القضايا التفصيلية التي هي مستنبطة من ادلتها الاجمالية في ما يرجع الى حقيقة العلم وطرقه وقواعد تحصيله.
وقد وقع الذين تمسكوا بالمذهب العلمي غير الاسلامي وهو المذهب اليوناني في اغلاط فادحة فمنهم من مال الى تعطيل الشريعة بالتأويل مثل اخوان الصفا ومنهم من مال الى التفكيك بين نظريتي العلم والعمل فجاء علم الفقه من المطالب العملية التطبيقية التي يعود اليها قيام المدينة الفاضلة ولم يعطه حظا من المعارف النظرية مثل الفارابي ومنهم من حدد العلوم تحاديد مختلفة مدخولة كما وقع لابن سينا.
كل ذلك والعاكفون على دراسة الاسلام دراسة اسلامية صحيحة على وجهها المستقيم كانوا يتجهون الى استخلاص الجزئيات من ادلتها والتفاصيل من مجملاتها ويسيرون في ذلك على الطرائق التي كانت تنتهي بهم الى وضع اصول العلوم.
وقد وضع الامام الشافعي في رسالته المشهورة اصول علوم الفقه كما وضع الامام مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه اصول علم الحديث ووصع الامام الاشعري اصول علم العقيدة ووضع الامام القشيري اصول علم التصوف الا ان كل واحد من هؤلاء كان يختص بوضع الاصول في ناحية معينة وجهة مفردة منحازة هي التي ترجع الى الموضوع الذي هو قيم عليه بحيث انه لم توضع اصول عامة للمناهج العلمية بصورة شاملة وان كانت تلك الاصول ثابتة ومستقرة عند العلماء من ائمة الدين الا انهم لم يبرزوها ولم يفصحوا عنها ولم يضعوا لها قوالب القواعد الضابطة لها كما وقع بالنسبة للفقه وللاجتهاد بذاته فقد مضت اجيال الفقهاء من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وهم يتفقهون ولهم في فقههم منهج ولهم في عمل استنباطهم اصول الا انهم لم يكونوا يعبرون عن تلك الاصول ولا يضبطونها وانما كانوا يشعرون بها شعورا وجدانيا ويبنون عليها عملهم بناء الاثر على النظر بصورة لم تظهر معها القواعد والنظريات الا في منتصف القرن الثاني منذ بدأت تظهر المذاهب وبدأوا يتناقشون في حجية دليل من الادلة دون حجية دليل آخر.
يتبع

ملف الأسبوع .. المساواة في الميراث بين النص والاجتهاد
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث مطلب قديم يتجدَّد بين الحين والآخر، والجديد فيه اليوم ما...
المزيد >>
الاسلام أعدل الشرائع في المواريث
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
كثر الحديث في المدة الأخيرة عن الأسرة
المزيد >>
قسمة المواريث اختص بتحديدها الله وحده
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
امتاز نظام الإرث في الإسلام عن غيره من أنظمة التوريث الوضعية
المزيد >>
خطبة الجمعة .. أثر الإيمان في حياة الإنسان
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
الإيمان، هو أن تؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، حلوه ومره مصداق ذلك...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
ربيـــع تونســـي يُزهـــر
خطوة مهمّة تقطعها بلادنا على درب تكريس مقتضيات الانتقال الديمقراطي.وقد أبانت مرحلة تقديم الترشحات للانتخابات البلديّة عن حسّ مدني واسع منتصر لخيار المنافسة الانتخابية والاحتكام...
المزيد >>